قال المركز الفلسطيني للدراسات السياسية إن ما يسمى "الخط الأصفر" في قطاع غزة، الذي قُدّم عقب اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025 باعتباره خط انسحاب أوليًا وترتيبًا أمنيًا مؤقتًا، يتحول تدريجيًا إلى واقع مكاني وسياسي طويل الأمد، مع اتساع نطاق السيطرة والقيود المفروضة على حركة السكان واستخدام الأراضي.
جاء ذلك في ورقة بحثية جديدة للمركز بعنوان "هندسة السيطرة المكانية في قطاع غزة: الخط الأصفر بين الترتيب الأمني المؤقت والتقسيم الدائم"، تناولت التحولات الجغرافية والميدانية التي شهدها القطاع منذ وقف إطلاق النار، وانعكاساتها على حركة السكان والوصول إلى الأراضي ومسارات الإعمار.
وبحسب الورقة، ارتفعت تقديرات المساحة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية أو الواقعة تحت أشد القيود من نحو 53% من مساحة القطاع في تشرين الأول/أكتوبر 2025 إلى ما بين 65% و70% بحلول آب/أغسطس 2026، مع الإشارة إلى أن النسب تختلف وفق المنهجيات المستخدمة في احتساب المساحات الخاضعة للسيطرة أو التقييد.
وأوضحت الدراسة أن التحول لا يرتبط فقط باتساع المساحة التي تفرض عليها قوات الاحتلال قيودًا مشددة، وإنما يترافق مع نشوء بنية ميدانية خلف "الخط الأصفر"، تشمل مواقع عسكرية ثابتة، وعمليات هدم وتسوية لأحياء ومناطق سكنية، إلى جانب تقييد وصول السكان والمزارعين إلى أراضٍ تقع خلف الخط.
وأشارت إلى أن التحكم في الحركة والوصول إلى الأراضي بات عنصرًا أساسيًا في إعادة تشكيل جغرافية قطاع غزة، لا سيما في المناطق الزراعية، التي تأثرت بصورة مباشرة بالقيود المفروضة على وصول السكان إليها.
وفي هذا السياق، استندت الورقة إلى تقييم مشترك لمنظمة الأغذية والزراعة ومركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية، أفاد بأن نحو 3% فقط من الأراضي الزراعية في قطاع غزة ظل متاحًا للوصول الآمن حتى حزيران/يونيو 2026، ما يفاقم تداعيات القيود على الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي.
وترى الدراسة أن هذه المعطيات تشير إلى انتقال آثار السيطرة من الدمار المباشر إلى نمط يقوم على التحكم في الوصول واستخدام الأراضي، بما يحد من قدرة السكان على استغلال مواردهم الزراعية ويؤثر في أنماط السكن والحركة والعودة.
وتناقش الورقة ثلاث فرضيات بشأن وظيفة "الخط الأصفر"، تتمثل في كونه ترتيبًا أمنيًا مؤقتًا، أو أداة ضغط في المفاوضات، أو مدخلًا لتثبيت تقسيم طويل الأمد للقطاع.
وبعد دراسة حركة الخط، وطبيعة المنشآت العسكرية المقامة خلفه، والخطاب الرسمي، وعمليات الهدم وتقييد الوصول، إضافة إلى أنماط الإعمار وإدارة حركة السكان، قالت الدراسة إن الممارسة الميدانية تبدو أقرب إلى فرضية تثبيت الخط، مع التأكيد على أن هذه المعطيات لا تثبت وجود قرار إسرائيلي معلن بضم الأراضي الواقعة خلفه.
وحذرت الورقة من أن ربط عمليات الإعمار بالموقع الجغرافي وآليات الفحص الأمني، إلى جانب تنفيذ مشاريع إعمار انتقائية في مناطق محددة، قد يحول "الخط الأصفر" من ترتيب أمني إلى آلية تؤثر في توزيع السكان وفرص العودة وإعادة الإعمار، بما قد ينعكس على وحدة قطاع غزة جغرافيًا وسياسيًا.
وفي الجانب القانوني، شددت الدراسة على ضرورة التمييز بين خط وقف إطلاق النار والمنطقة العازلة والحدود السياسية، معتبرة أن تقييم قانونية عمليات الهدم وتغيير الوقائع المادية على الأرض يستدعي توثيق كل حالة بصورة منفصلة، بالنظر إلى توقيتها وضرورتها العسكرية والغرض منها، بدل إطلاق توصيف قانوني شامل على جميع الوقائع.
وأوصى المركز بنشر خريطة رسمية ومتفق عليها لـ"الخط الأصفر"، وإنشاء آلية محايدة لرصد أي تغييرات تطرأ على مساره، وربط أي ترتيبات مستقبلية بشأنه بجداول زمنية واضحة.
كما دعت الورقة إلى الحفاظ على وحدة قطاع غزة في خطط إعادة الإعمار، وتوحيد منهجيات رصد المساحات الخاضعة للسيطرة والقيود، ومتابعة حركة المنشآت العسكرية والتغيرات الميدانية بصورة منتظمة.