لا يحتاج المقدسي جميل عباسي إلى عبور حاجز أو اجتياز مسافة طويلة للوصول إلى المسجد الأقصى، فهو ابن بلدة سلوان المحاذية للمسجد، لكن سلسلة من قرارات الإبعاد "الإسرائيلية" جعلت وصوله إلى المسجد المبارك ممنوعًا عليه على مدار أكثر من عقدين، وصولًا إلى القرار الخامس والثلاثين الذي صدر بحقه مؤخرًا.
عقدين من الزمان
وتعود بداية ملاحقة عباسي إلى عام 2003، ومنذ ذلك الحين تلقى نحو 35 قرار إبعاد، شملت المسجد الأقصى ومداخله ومحيطه، إلى جانب قرارين بالإبعاد عن البلدة القديمة، وقرارين آخرين بالإبعاد عن مدينة القدس، وفق معطيات مركز معلومات وادي حلوة في القدس.
ويفرض القرار الأخير، الذي سُلّم لعباسي في سبتمبر/أيلول الماضي، إبعاده عن المسجد الأقصى ومداخله والأروقة المسقوفة والطرق المؤدية إليه لمدة ستة أشهر، وهو سابع قرار متتالٍ بالمدة نفسها، ما يعني أن المنع لم يعد إجراءً مؤقتًا ينتهي بانتهاء أيامه، بل سلسلة متواصلة من القرارات التي تتجدد واحدة تلو الأخرى.
وبحسب مركز معلومات وادي حلوة، تراوحت مدد قرارات الإبعاد التي طالت عباسي بين أسبوعين وثلاثة أشهر وستة أشهر، بما أبقاه تحت قيود متتالية حرمتْه من الوصول إلى المسجد الأقصى لفترات طويلة، بينها مواسم دينية وشهر رمضان.
ولا تتوقف تداعيات الإبعاد عند حرمانه من الصلاة في المسجد الأقصى، إذ تشير المعطيات إلى أن سلطات الاحتلال قطعت عنه وعن أفراد عائلته التأمين الوطني منذ نحو 18 عامًا، كما صدرت بحقه أحكام في ستة ملفات ألزمته بالعمل لصالح الجمهور، أي العمل من دون أجر، في إطار سلسلة الإجراءات التي طالته على مدار سنوات.
وسيكون عباسي، وفق القرار الأخير الممتد حتى مارس/آذار المقبل، ممنوعًا من الوصول إلى المسجد الأقصى خلال رمضان المقبل، ليكون ذلك رمضان الثالث عشر الذي يُحرم فيه من المسجد، فيما يبقى منزله وبلدته على مقربة من المكان الذي تمنعه سلطات الاحتلال من الوصول إليه.
ولا تبدو حالة عباسي منفصلة عن سياسة أوسع تطال المقدسيين، إذ رصدت محافظة القدس نحو 900 قرار إبعاد عن المسجد الأقصى منذ بداية عام 2026، مع ارتفاع وتيرة هذه القرارات قبيل موسم الأعياد اليهودية وخلاله.
وفي مقابل هذه القيود، سجلت محافظة القدس اقتحام 11 ألفًا و409 مستوطنين للمسجد الأقصى خلال موسم الأعياد اليهودية بين 12 سبتمبر/أيلول و2 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، مشيرة إلى أداء صلوات وطقوس دينية ورقصات وإدخال قرابين نباتية داخل المسجد ومحيطه.
ليس وحده
وتطال قرارات الإبعاد كذلك شخصيات مقدسية أخرى، من بينها المقدسية خديجة خويص، التي اعتُقلت من مكان عملها داخل مدرسة قبل أيام، وخضعت للتحقيق لعدة ساعات قبل الإفراج عنها بشرط إبعادها عن المسجد الأقصى لمدة أسبوع، مع إمكانية تمديد القرار لفترة أطول.
وبحسب مركز معلومات وادي حلوة، فإن ملاحقة خويص تعود إلى عام 2014، حين صدر بحقها أول قرار إبعاد عن المسجد الأقصى، كما فرض عليها منذ عام 2023 قرار منع من السفر.
ويشير المركز إلى أن قرارات الإبعاد تصدر عن قائد شرطة القدس، وتكون مرفقة بخرائط تحدد المناطق المحظورة، التي قد تشمل المسجد الأقصى بكامل مساحاته، والأروقة والطرقات المسقوفة والطرق المؤدية إليه، بما يجعل قرار الإبعاد يتجاوز بوابات المسجد ليشمل محيطه والطرق التي يسلكها الفلسطينيون للوصول إليه.
وتكشف قصة جميل عباسي، إلى جانب حالات أخرى، عن مسار طويل من القرارات التي تحوّل الوصول إلى المسجد الأقصى بالنسبة إلى المقدسيين إلى حق مشروط بقرار أمني، في وقت تشير فيه بيانات محافظة القدس إلى ارتفاع أعداد الاقتحامات والقيود المفروضة على الفلسطينيين خلال العام الجار
