تقرير – شهاب
في الذكرى الثالثة لانطلاق معركة "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023، تعود إلى الواجهة التحولات التي طرأت على القضية الفلسطينية والمشهد الإقليمي والدولي منذ ذلك الحدث الكبير، في ظل حرب أعادت رسم ملامح المشهد الفلسطيني والإقليمي والدولي، وفرضت تحولات كبيرة في مسار القضية الفلسطينية وطبيعة العلاقات والتوازنات المرتبطة بها.
ويتفق محللان سياسيان على أن السابع من أكتوبر أعاد القضية الفلسطينية إلى صميم المشهد الدولي، وأعاد ربط الاستقرار الإقليمي بمصير فلسطين، في وقت أوقف فيه اندماج "إسرائيل" في المنطقة وعزلها واعتبارها عدوًا أوحد لمكونات الأمة الإسلامية والعربية المختلفة، وأعاد طرح القضية باعتبارها قضية سياسية وقانونية مرتبطة بالاحتلال وحق تقرير المصير والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
مصير فلسطين
الكاتب والمحلل السياسي مصطفى محمد شاهين، قال، إن السابع من أكتوبر أعاد القضية الفلسطينية إلى صميم المشهد الدولي، بعد سنوات بدا فيها أن القضية تنحسر في سلم الأولويات السياسية والإعلامية لصالح ترتيبات إقليمية جديدة تقوم على إعادة تعريف الصراع بوصفه مسألة أمنية قابلة للاحتواء لا قضية تحرر وطني.
وأضاف شاهين، في حديث خاص لوكالة شهاب، أن ما جرى بعد ذلك أعاد التذكير بأن تجاهل جذور الصراع لا يلغي وجوده، وأن القضية الفلسطينية ليست ملفًا هامشيًا يمكن تجاوزه عبر تفاهمات إقليمية منفصلة.
وأوضح أن السابع من أكتوبر أعاد إنتاج فلسطين باعتبارها قضية سياسية وقانونية مرتبطة بالاحتلال وحق تقرير المصير والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وليس مجرد أزمة إنسانية في قطاع غزة، مشيرًا إلى أن المؤسسات الدولية عادت إلى مناقشة الوضع الفلسطيني بكثافة، كما عادت مفردات الاحتلال والأرض المحتلة والحقوق الوطنية والحل السياسي إلى صدارة الخطاب الدبلوماسي الدولي.
وبيّن أن الأهم هو أن الحدث أعاد فتح السؤال الذي حاولت بعض المسارات السياسية تأجيله، وهو كيف يمكن بناء نظام إقليمي جديد بينما تظل القضية المركزية في المنطقة بلا تسوية عادلة، لافتًا إلى أن اتفاقات أبراهام منذ عام 2020 عكست مسارًا لتطبيع العلاقات بين "إسرائيل" وعدد من الدول العربية مع تراجع نسبي لمركزية الملف الفلسطيني في الحسابات الإقليمية.
وقال شاهين إن ما يسمى بفشل مخططات التطبيع لا يمكن فهمه باعتباره انتهاء كل علاقات التطبيع القائمة، وإنما باعتباره تعثرًا في الفكرة السياسية التي افترضت إمكانية إعادة ترتيب الإقليم اقتصاديًا وأمنيًا ودبلوماسيًا مع إبقاء القضية الفلسطينية خارج مركز المعادلة، مؤكدًا أن الحرب أعادت ربط الاستقرار الإقليمي بمصير فلسطين وأظهرت أن تجاوز القضية لا يعني تجاوز أسباب الصراع.
وأضاف أن لغة الدبلوماسية الدولية تغيرت كذلك، فبعد أن كانت القضية الفلسطينية كثيرًا ما تختزل في مفاوضات ثنائية طويلة الأمد، عادت الأمم المتحدة إلى التأكيد على أن الحل المستدام يرتبط بالقانون الدولي وبالحقوق السياسية للشعب الفلسطيني وبإنهاء الاحتلال وإقامة تسوية سياسية تستند إلى قرارات الأمم المتحدة.
وأشار إلى أن المفارقة التاريخية تكمن في أن البعض أراد تحويل الصراع من قضية سياسية إلى قضية أمنية، بينما أدى انفجار الأزمة إلى إعادة السياسة إلى قلب المشهد، وأصبح السؤال المطروح دوليًا ليس فقط كيف توقف الحرب، وإنما كيف تعالج البيئة السياسية التي أنتجت الصراع، وكيف يمكن الوصول إلى سلام مستدام يحترم حقوق الفلسطينيين والإسرائيليين معًا.
وأوضح أن السابع من أكتوبر أعاد الاعتبار إلى البعد العربي للقضية بصورة مختلفة، فمبادرة السلام العربية نفسها كانت تربط التطبيع الشامل مع "إسرائيل" بالتوصل إلى حل للقضية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال وإقرار الحقوق الفلسطينية، ولذلك فإن الحرب أعادت النقاش حول العلاقة بين التطبيع والسلام، وهل يمكن أن يتحول التطبيع إلى بديل عن التسوية السياسية أم ينبغي أن يكون جزءًا من مسار يعالج جذور النزاع.
ولفت شاهين إلى أن الوقائع السياسية لا يمكن صناعتها بالاتفاقيات وحدها، فالشرعية السياسية تحتاج إلى قاعدة اجتماعية وتاريخية وقانونية، وإلا بقيت الترتيبات معرضة للاهتزاز عند أول اختبار كبير، مشيرًا إلى أن محاولة بناء شرق أوسط جديد من دون معالجة فلسطين اصطدمت بعودة القضية إلى مركز الوعي الشعبي والسياسي الإقليمي.
وذكر أن حجم الدمار والخسائر الإنسانية في غزة جعل القضية حاضرة في النقاش العالمي من زاوية القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين والمساعدات وحق تقرير المصير، وهو ما دفع المؤسسات الدولية إلى التعامل مع الحرب باعتبارها أزمة ذات آثار تتجاوز حدود القطاع وتمس الأمن والاستقرار الإقليميين.
وأردف أن السابع من أكتوبر لم ينه مسار التطبيع القائم بصورة آلية، ولم يلغ العلاقات التي نشأت خلال السنوات السابقة، لكنه غيّر البيئة السياسية التي كانت تتحرك فيها تلك المسارات، وأعاد فلسطين إلى مركز الحسابات الإقليمية والدولية، وأثبت مرة أخرى أن الاستقرار الحقيقي لا يصنعه تجاوز القضية الفلسطينية، بل يمر عبر معالجة جذورها السياسية والقانونية والتاريخية، وتحويل حقوق الشعب الفلسطيني من خطاب مؤجل إلى قضية حاضرة في أي ترتيبات مستقبلية للمنطقة.
وقف اندماج "إسرائيل"
بدوره، قال الكاتب والباحث السياسي طه عبد العزيز، إنه في الذكرى الثالثة لانطلاق "طوفان الأقصى"، ورغم أن العدوان السياسي والحقوقي على الفلسطينيين اكتسب زخمًا وبعدًا جديدًا، وتشكل في صورة يُسلب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره وحكم ذاته ويبدد ما توافق العالم عليه من اعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود عام 67، فإن فواعل المشهد اليوم أيضًا تتخذ مسارات جديدة يمكن البناء عليها واستثمارها للخروج من هذه المحطة بأقل الخسائر الممكنة، وبما يحقق في المديين المتوسط والبعيد إنجازات تلبي الحد الأدنى من تطلعات مسيرة النضال الفلسطينية الممتدة منذ قرابة 80 عامًا.
وأوضح عبد العزيز أن إحدى العوامل الجديدة في واقع ما بعد الطوفان هو وقف اندماج "إسرائيل" في المنطقة وعزلها واعتبارها عدوًا أوحد لمكونات الأمة الإسلامية والعربية المختلفة، وهو ما يمكن اعتباره أحد المفاعيل الكبرى في رسم المشهد السياسي ما بعد الحرب.
وأشار إلى أن هذا المعنى عبر عنه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، أن "العالم الإسلامي استيقظ أخيراً من سباته العميق الذي دام 100 عام"، في ظل وجود "جهات خارجية تسعى للتأثير على مشاكل دول المنطقة، لافتاً إلى وجود نمط واحد يربط بين قضايا اليمن والسودان وسوريا والصومال".
وبيّن أن توحد القوى الكبرى في منطقتنا وعالمنا الإسلامي وتقاطع أهدافها في وجه التمدد العدواني للاحتلال على الأرض العربية مسالمةً كانت أو محاربة، كان حلمًا وضربًا من الخيال في واقع ما قبل الطوفان، الذي كان يتهيأ ويتحضر لشكل جديد من التطبيع تكون فيه "إسرائيل" حليفًا عسكريًا موثوقًا به من قوى المنطقة في وجه أحد مكونات الأمة الإسلامية "إيران"، وكانت في ذلك الواقع قضية فلسطين في مهب النسيان والذوبان.
وذكر أن الخروج لعملية ثورية كبرى بحجم عبور السابع من أكتوبر لم يكن أساسًا إلا انتفاضًا على كل ما هو صنم ومقدس في النظام السياسي ما قبل العبور، وكسرًا لكل التابوهات السياسية التي حكمت السلوك السياسي الإقليمي والعالمي تجاه القضية الفلسطينية.
وأضاف أن العملية وما تبعها من حرب إبادة خلفت واقعًا جديدًا وعوامل تأثير مختلفة، تشكّل جزء منها وجزء آخر لا يزال في طور التشكل والنضوج، لافتًا إلى أن الأحداث التاريخية الكبرى يمتد أثرها لعقود من الزمن، وتتشكل الظروف بعدها بطريقة لا تشبه أبدًا ما قبلها.