☰
✕

قائمة الموقع

تقرير ثلاث سنوات على طوفان الأقصى.. كيف أعادت غزة بناء حياتها وأسقطت التهجير؟

2026-10-06T05:05:00+03:00
وكالة شهاب

خاص / شهاب

ثلاث سنوات من الحرب لم تدفع الغزيين إلى التخلي عن حياتهم أو الاستسلام لظروفهم المعيشية القاسية، فمع كل موجة نزوح جديدة، حملوا الى مخيمات النزوح وظائف الحياة التي اعتادوا ممارستها؛ التعليم والعمل والتجارة والعلاقات الاجتماعية والمناسبات.

فلم يتوقف النزوح عند نصب الخيام، بل سرعان ما ظهرت نقاط للتعليم والتسوق وبيع الطعام وبيع العلاج والأدوية، ونقاط شحن الطاقة، ومساحات العمل الحرة، ومشروعات صغيرة، لا حصر لها إلا في حاجة النازحين إليها، فيما عادت الحياة والمناسبات الاجتماعية تدب في روح المخيم.

إنتاج مقومات الحياة

وبحسب دراسة حديثة للمركز الفلسطيني للدراسات السياسية، لم يعد "الخط الأصفر" يقتصر على كونه خط انسحاب عسكرياً أُنشئ مع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، إذ توسعت المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية أو للقيود الأشد على الوصول من نحو 53% من مساحة قطاع غزة في بداية المرحلة إلى ما بين 65 و70% بحلول أغسطس/آب 2026.

وتقول الدراسة إن هذا التوسع قلّص المساحة المتاحة أمام الفلسطينيين للحركة والسكن والوصول إلى الأراضي، فيما لم يتبقَّ من الأراضي الزراعية المتاحة والسليمة سوى نحو 3%، بما يزيد الضغط على السكان والنازحين ويدفعهم إلى التكدس في نطاق جغرافي أضيق

في أغسطس/آب 2026، أشارت الأمم المتحدة إلى أن نحو 2.1 مليون فلسطيني في قطاع غزة أصبحوا متركزين في أقل من نصف مساحة القطاع، في ظل استمرار القيود على الوصول والحركة وتقلص المساحات المتاحة أمام السكان للعيش والاستقرار.

وأوضحت أن هذا التركز السكاني أدى إلى اكتظاظ شديد في المناطق التي تستضيف النازحين والسكان، مع محدودية المساحات الصالحة للسكن وتراجع القدرة على توفير الخدمات الأساسية، بما فيها المياه والرعاية الصحية والمرافق العامة، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية للسكان الذين اضطروا إلى النزوح من مناطق مختلفة من القطاع.

ويرى المحلل السياسي محمد مصطفى شاهين أن إعادة بناء المدارس والأسواق وأماكن العمل، واستئناف الأنشطة والمناسبات الاجتماعية داخل مناطق النزوح، لا تقتصر على كونها مظاهر للحياة اليومية أو أشكالاً من الصمود، وإنما تحمل، في قراءته، دلالة سياسية وميدانية تتمثل في إسقاط مشاريع التهجير وتحويل النزوح القسري إلى واقع مؤقت لا ينتهي بخروج السكان من أرضهم.

ويوضح أن محاولات تفريغ مناطق واسعة من سكانها، وتقليص المساحات المتاحة أمامهم للحركة والسكن وممارسة حياتهم، تهدف إلى إضعاف مقومات الاستقرار ودفع الفلسطينيين تدريجياً إلى مغادرة المكان، لكن استمرار التعليم والعمل والتجارة وإعادة تنظيم الحياة الاجتماعية داخل مناطق النزوح يحافظ على وجودهم ويعيد إنتاج مقومات الحياة في المناطق التي لجؤوا إليها.

سلوكًا جمعيًا

ويضيف شاهين أن إعادة تشغيل المدارس والأسواق وأماكن العمل داخل مناطق النزوح تمثل، في هذا السياق، إسقاطاً عملياً لمشروع التهجير، لأن السكان لا يتعاملون مع أماكن النزوح باعتبارها محطات عبور نحو خارج القطاع، بل يعيدون فيها بناء دورة حياتهم اليومية ويحافظون على ارتباطهم بالأرض.

ويرى أن تحويل الخيام والفضاءات المؤقتة إلى أماكن للتعليم والعمل والتجارة والأنشطة الاجتماعية يعني أن الفلسطينيين، رغم تقلص المساحة المتاحة أمامهم، يعيدون تثبيت وجودهم داخل القطاع، بما يحول دون تحقيق الهدف الذي يربطه بمشاريع التهجير، والمتمثل في تفريغ الأرض من سكانها ودفعهم إلى الخروج منها بصورة نهائية.

في القرارة، شمال شرقي خان يونس، حوّل إبراهيم خالد الأسطل، البالغ 25 عامًا، إحدى الدفيئات الزراعية التابعة لعائلته إلى صالة أفراح، بعدما تضررت الزراعة وارتفعت كلفة مستلزمات الإنتاج، وتراجعت قدرة السكان على الوصول إلى صالات المناسبات التقليدية.

بدأ الأسطل مشروعه في الأول من أبريل/نيسان 2026، مستفيدًا من دفيئة ضمن أرض عائلته في المواصي غربي خان يونس. وجُهزت الدفيئة لاستقبال حفلات الزواج والمناسبات، مع تحديد أسعار تناسب أوضاع النازحين، فيما وفر المشروع عملًا لامرأتين وثلاثة شبان.

في غزة، افتتحت عشرات النساء مشاريع مختلفة تتماشى مع متطلبات الحياة اليومية للسكان، كان أبرزها محلات تأجير بدل الزفاف، رغم ارتفاع الأسعار ونقص مستلزمات الصيانة والتجهيز،كما ظهرت مطاعم ومقاهٍ داخل أماكن لم تكن مخصصة لهذه الأغراض قبل الحرب، فيما واصلت منشآت قائمة منذ سنوات تقديم خدمات الطعام والمناسبات من المواقع التي تمكنت من العمل فيها.

ومع تضرر المؤسسات وتعطل قطاعات واسعة من سوق العمل، لجأ آلاف الغزيين إلى العمل عن بُعد والعمل الحر، فيما ظهرت مشاريع المساحات الحرة التي توفر الكهرباء والإنترنت للعاملين، ويعتمد بعضها على الطاقة الشمسية لتوفير بيئة عمل أكثر استقرارًا، وتفتح أبوابها أمام الجميع من أجل الحصول على مكان عمل ملائم.

وفي قطاع التعليم، وبعد خروج عدد كبير من المدارس عن الخدمة، افتتحت نحو 700 نقطة تعليمية وجاهية موزعة في مختلف مناطق القطاع، إلى جانب 25 مدرسة مؤقتة، بما يتيح لنحو 541 ألف طالب وطالبة مواصلة تعليمهم، مع استمرار التعليم الافتراضي للطلبة غير القادرين على الوصول إلى النقاط التعليمية، بحسب وزارة التربية والتعليم، وجزء كبير من هذه النقاط موجود داخل خيام وكرفانات داخل مخيمات النزوح.

حالة انتظار

من جانبها، تقول د. رائدة أبو عبيد، المختصة في علم النفس التربوي، إن الإنسان لا يستطيع أن يعيش طويلًا في حالة انتظار، وعندما يطول النزوح ويصبح الاستثناء هو القاعدة، يبدأ في إعادة إنشاء العناصر التي تمنح حياته اليومية قدرًا من الاستقرار والمعنى، مثل المدرسة والعمل والتجارة والمناسبات والعلاقات الاجتماعية.

وتوضح أبو عبيد أن هناك فرقًا بين المبادرة الفردية والاستجابة الجمعية؛ فقد يفتح شخص متجرًا لأنه يحتاج إلى مصدر دخل، أو يحول مكانًا إلى مشروع بسبب الحاجة الاقتصادية، لكن الأمر يصبح سلوكًا جمعيًا عندما يعيد المجتمع تنظيم التعليم والتجارة والعمل والعلاقات الاجتماعية والمناسبات بصورة متكررة، وتظهر لهذه الوظائف أدوار وتنظيمات، ويعتمد عليها الآخرون.

وترى أن ما يجري في هذه الحالات يعيد إلى الإنسان جزءًا من القدرة على الفعل التي يفقدها خلال الحرب والنزوح. فالشخص الذي لا يستطيع تحديد مكان نزوحه أو موعد عودته أو ظروف حياته، يستطيع، في المقابل، أن يقرر فتح مشروع، أو تعليم أطفاله، أو تنظيم مناسبة، أو استئناف عمله، وبذلك يستعيد مساحة محدودة من السيطرة على يومه.

وتقول أبو عبيد لـ"شهاب" إن المدرسة، على سبيل المثال، ليست مكانًا لتلقي المعلومات فقط، وإنما تضم الروتين والمعلم والأصدقاء واللعب والأهداف اليومية، ولذلك فإن إعادة التعليم في مكان مؤقت تعيد جزءًا من الحياة التي فقدها الطفل مع تدمير مدرسته ونزوح أسرته.

وتضيف أن المكان يتحول إلى «مساحة حياة» عندما لا يعود مجرد مأوى للنوم، وإنما يصبح مكانًا للتعليم والعمل والعلاقات والذكريات والمناسبات. ومن هذه الزاوية، فإن إعادة بناء وظائف الحياة في أماكن النزوح لا تعني بالضرورة قبول النزوح أو التخلي عن المكان الأصلي، بل يمكن أن تكون وسيلة للحفاظ على الحياة الاجتماعية.

وتشير إلى أن التشبث بالمكان لا يظهر فقط في البقاء المادي فيه، وإنما أيضًا في استمرار العلاقات والأدوار والذاكرة والعمل والتعليم والمناسبات التي تشكل حياة المجتمع. وبذلك يمكن أن تتغير مساحة السكن، بينما تبقى الحاجة إلى البيت والعمل والمدرسة والعلاقات والمستقبل قائمة.

خصوصسة فلسطنية 

وترى أبو عبيد أن هذه السلوكيات المتكررة للنازحين لا تقتصر على تأمين احتياجات يومية فرضتها الحرب،  بل يعيدون إنتاج وظائف الأرض والإنسان والمجتمع في ظروف اقتلعتهم من بيوتهم. ومع تكرار هذه الممارسات واتساعها، تتحول الاستجابة الفردية إلى سلوك جمعي يحافظ على استمرارية المجتمع ويمنع الحرب والتهجير من تحويل النزوح المؤقت إلى نهاية للحياة الطبيعية.

ويكتسب هذا السلوك خصوصيته في الحالة الفلسطينية، بحسب أبو عبيد، وفي غزة على وجه خاص، من تجربة طويلة مع الاحتلال والانتهاكات ومحاولات فرض واقع جديد على الأرض؛ إذ راكم الغزيون، عبر عقود من المواجهة مع سياسات الاقتلاع والحصار والتهجير، خبرة في إعادة بناء ما تهدم والعودة إلى ممارسة الحياة فوق الأرض ذاتها.

وتؤكد، لذلك، أن الحفاظ على المدرسة والعمل والسوق والعلاقات الاجتماعية والمناسبات لا يُنظر إليه بوصفه مجرد قدرة على الاحتمال، بل باعتباره تمسكًا بمقومات الوجود على الأرض. فالمعركة بالنسبة للغزي لا تتعلق بالبقاء الجسدي وحده، وإنما بالحفاظ على حقه في المكان وما يرتبط به من بيت وعمل وتعليم وعلاقات وذاكرة ومستقبل؛ ومن ثم فإن التراجع عن إعادة بناء هذه الوظائف، أو ترك الأرض خالية من مظاهر الحياة، يعني بالنسبة إليه خسارة مساحة أخرى من الحق الذي ظل متمسكًا به رغم سنوات الانتهاكات والتهجير.

ويشرح الاقتصادي أحمد أبو قمر التحولات التي طرأت على حياة الغزيين من زاوية اقتصادية، مشيرًا إلى أن الحرب الطويلة أوجدت ما يمكن وصفه بـ"اقتصاد الندرة"، حيث أدى تراجع تدفق السلع والمواد الخام وتعطل سلاسل الإمداد إلى تغيير أنماط الاستهلاك والإنتاج، ودفع السكان إلى البحث عن بدائل محلية للمواد التي لم تعد متاحة أو أصبح الحصول عليها مكلفًا وصعبًا.

وبحسب أبو قمر، لم تعد قيمة بعض الأشياء مرتبطة بقيمتها الأصلية، وإنما بقدرة الناس على الاستفادة منها في ظل غياب البديل؛ فأصبح إصلاح الأجهزة والأدوات وإعادة استخدام المواد المستعملة واستخراج القابل منها للاستخدام من بين الأنقاض جزءًا من النشاط الاقتصادي اليومي.

وامتد ذلك إلى ظهور أعمال صغيرة تقوم على الفرز والإصلاح وإعادة التدوير وتوفير خدمات كانت قبل الحرب تعتمد على توفر مستلزمات ومواد جديدة.ويرى أبو قمر أن هذا الاقتصاد لا يعكس تحسنًا في الوضع الاقتصادي، وإنما "قدرة المجتمع على التكيف مع نقص الموارد"، إذ يحاول الأفراد والأسر الحفاظ على مصادر دخل ولو محدودة، وخلق فرص عمل من الإمكانات المتاحة، وتحويل ما هو موجود إلى قيمة اقتصادية يمكن أن تساعد في تأمين الاحتياجات الأساسية.

اقتصاد البقاء 

ويشير إلى أن هذه القدرة على التكيف تظهر كذلك في استمرار النشاط التجاري والخدمي بأشكال مختلفة، وفي انتقال بعض الأعمال إلى مساحات مؤقتة أو صغيرة، وفي اعتماد أصحاب المهن على إصلاح الموجود بدل استبداله، وهي أنماط فرضتها ظروف الحرب، لكنها سمحت باستمرار جزء من الدورة الاقتصادية داخل المجتمع، رغم تراجع الإنتاج وتضرر قطاعات واسعة من الاقتصاد.

ويؤكد أبو قمر لـ"شهاب" أن "اقتصاد الندرة لا يلغي آثار الانهيار الاقتصادي، لكنه يكشف عن آليات البقاء التي يطورها المجتمع عندما تصبح الموارد محدودة والبدائل غير متاحة"؛ فالسكان لا ينتظرون عودة الظروف السابقة حتى يعيدوا تشغيل كل ما يمكن تشغيله، وإنما يعيدون ترتيب استخدام الموارد والعمل والدخل بما يتناسب مع الواقع المفروض عليهم.

تبدو قدرة الغزيين على إعادة ترتيب تفاصيل يومهم أبعد من مجرد التكيف مع الطوارئ؛ فقد تحولت الممارسة اليومية إلى وسيلة للحفاظ على استمرارية المجتمع، حتى في ظل تبدل الأماكن وانكماش المساحات المتاحة. وبينما بقيت الحرب حاضرة في تفاصيل حياتهم، بقيت الحياة نفسها مستمرة بأشكال جديدة، تحمل معها ما لم تستطع سنوات النزوح اقتلاعه من المجتمع.

اخبار ذات صلة