خاص /شهاب
منذ أكثر من عامين ونصف، تعيش رجاء أبو موسى، 27 عامًا، داخل خيمة، بعدما أفقدها قصف منزل عائلتها في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة القدرة على الحركة في الجزء السفلي من جسدها.
تقول أبو موسى لـ"شهاب" إن إصابتها في العمود الفقري أفقدتها القدرة على الحركة بشكل كامل، فيما بُترت القدم اليمنى لشقيقها عماد "21 عامًا"، وفقدت والدتها "59 عامًا" يدها اليمنى في القصف نفسه.
وتضيف أبو موسى أن الإصابة كانت بداية لسلسلة طويلة من الاحتياجات التي لم تجد طريقها إلى الحل، بدءًا من الأدوية والمعدات الطبية، وصولًا إلى العلاج والتأهيل، مشيرة إلى أنها لم تحصل منذ أكثر من عامين ونصف على برنامج تأهيل منتظم يساعدها على التعامل مع إعاقتها واستعادة ما يمكن من قدرتها على الاعتماد على نفسها.
رجاء واحدة من آلاف الحالات التي لا تظهر في أرقام الشهداء، لأن الإصابة لم تنتهِ عند لحظة القصف. فخلف كل حالة بتر أو إصابة في العمود الفقري أو الدماغ، هناك شخص يحتاج إلى علاج وتأهيل وأجهزة تعويضية ومتابعة طبية تمتد لسنوات، فيما يواجه مرضى آخرون تأخرًا في التشخيص والعلاج بسبب نقص الفحوص والأدوية والمستلزمات الطبية، وتظهر في الوقت نفسه أمراض معدية مرتبطة بظروف المياه والصرف الصحي والنزوح.
لا تقف الأرقام
قصة أبو موسى تمثل جانبًا من الإصابات التي تحتاج إلى رعاية وتأهيل طويل الأمد، وقالت وزارة الصحة في غزة إن الحرب خلّفت 5 آلاف حالة بتر و300 إصابة عصبية ونخاعية، فيما تحتاج 10 آلاف حالة إلى تأهيل مكثف وطويل الأمد.
وأوضحت الوزارة أن معظم مراكز التأهيل المتخصصة خرجت من الخدمة، مع نقص في المستلزمات الطبية والأجهزة التعويضية والأطراف الصناعية.
ولا تقف الأرقام عند الحالات التي وصلت إلى مراكز التأهيل. فبحسب تقديرات وبحسب تقديرات فريق إعادة التأهيل التابع لمجموعة الصحة، التي تقودها منظمة الصحة العالمية في غزة، وأوردها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" في تقريره، يُقدّر أن واحدًا من كل أربعة فلسطينيين أصيبوا في غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 يعيش بإصابة قد تغيّر حياته، بينها البتر وإصابات الحبل الشوكي وإصابات الدماغ الرضّية. ويشير التقرير إلى أن الأطفال يمثلون 18% من حالات البتر و31% من إصابات الحبل الشوكي وإصابات الدماغ الرضّية.
ويقدّر فريق إعادة التأهيل أن نحو 2% من سكان غزة قبل الحرب يعيشون الآن بإصابات شديدة مرتبطة بالحرب، فيما لا تتوفر في القطاع خدمات متخصصة لإعادة تأهيل الأطفال.
ويقول الفريق إن عدم توفر المعدات والمستلزمات، إلى جانب الضغط على خدمات التأهيل المتبقية، أسهما في مضاعفات صحية كان يمكن تفاديها، حتى إن قرح الضغط المتقدمة تشغل نحو 30% من أسرّة المرضى الداخليين في خدمات التأهيل المتخصصة المتبقية.
ويكشف مدير مركز المعلومات الصحية في وزارة الصحة بغزة، زاهر الوحيدي لـ"شهاب"، أن أزمة المنظومة الصحية لا تقتصر على نقص الأدوية، بل تمتد إلى المستلزمات الطبية وأجهزة التشخيص، إلى جانب الصعوبات التي تواجه المرضى المدرجين على قوائم العلاج خارج القطاع.
وتتحدث منظمة الصحة العالمية عن جانب آخر من أسباب استمرار هذا النقص، يتعلق بإجراءات إدخال الإمدادات الطبية إلى قطاع غزة. وقالت ممثلة المنظمة في الأرض الفلسطينية المحتلة، رينهليد فان دي ويردت، إن شحنات الإمدادات الطبية المخصصة لغزة تنتظر في المتوسط 74 يومًا للحصول على الموافقات اللازمة، مشيرة إلى أن طول فترة الانتظار يعرقل وصول الاحتياجات الصحية الأساسية إلى المرضى والمرافق الطبية.
وأوضحت فان دي ويردت أن الأدوية تحصل على موافقات دخول بمعدل يقارب 87%، في حين تواجه المعدات الطبية قيودًا أكبر، خصوصًا أجهزة الأشعة والتعقيم وقطع غيار أجهزة التصوير المقطعي، التي تتكرر حالات رفض إدخالها دون تقديم مبررات واضحة في كثير من الحالات.
وأضافت أن أكثر من 40% من معدات التشخيص والمختبرات لا تزال عالقة بانتظار الموافقة، مشيرة إلى أن الحصول على الموافقة لا يعني بالضرورة دخول الشحنة إلى قطاع غزة، إذ قد تواجه إجراءات إضافية أو رفضًا لاحقًا.
توقف تام
وأكدت المنظمة أن 19 مستشفى فقط من أصل 36 في قطاع غزة تعمل بصورة جزئية، فيما لا يعمل أي مستشفى بكامل طاقته، مع استمرار النقص الحاد في الأدوية الأساسية ومعدات التشخيص والمستلزمات الطبية والوقود. ودعت إلى إدخال الإمدادات الطبية بصورة منتظمة وكافية ودون عوائق، عبر أكثر من معبر، إلى جانب تبسيط إجراءات الموافقة، منوهة إلى أن قياس حجم المساعدات بعدد الشاحنات أو أطنان المواد الداخلة لا يعكس بالضرورة مدى وصول الاحتياجات الطبية الأكثر إلحاحًا إلى المرافق والسكان الذين يحتاجون إليها.
في مستشفى شهداء الأقصى وسط قطاع غزة، يقول باسم حسن، مدير قسم المختبرات، إن فحوص غازات الدم توقفت، وهي فحوص مهمة لمرضى القلب والعناية المركزة، فيما تعاني المختبرات نقصًا في أنابيب سحب الدم اللازمة لفحوص الكيمياء السريرية.
ويضيف حسن أن أجهزة التحليل الكيميائي الآلي التي يعتمد عليها المختبر في أكثر من 60% من فحوصه توقفت عن العمل، إلى جانب تعطل بعض معدات التعقيم وأجهزة حفظ الدم والبلازما. ومع محدودية المواد المتاحة، يقول إن الفحوص باتت تُرتب وفق خطورة الحالات، مع إعطاء الأولوية لمرضى الكلى والسرطان والقلب وحالات العناية المركزة.
ويقول حسن إن ترتيب الفحوص وفق خطورة الحالات يعني إعطاء الأولوية للمرضى الذين تحتاج حالاتهم إلى نتائج عاجلة، بينما تؤجل فحوص مرضى آخرين بحسب المواد والأجهزة المتاحة.
وفي قسم القلب بالمستشفى نفسه، يصف مروان العزايزة ما يفعله الأطباء عندما لا تتوفر الفحوص التي يحتاجون إليها. يقول إن بعض المرضى يُحالون إلى مختبرات خاصة إذا كانوا قادرين على تحمل التكلفة، بينما يضطر الأطباء في حالات أخرى إلى الاعتماد على الفحص السريري وتخطيط القلب والمؤشرات المتاحة، رغم أن هذه الوسائل لا تعوض كامل الفحوص اللازمة لتأكيد بعض التشخيصات أو استبعادها.
ولا يقتصر نقص المعدات على المختبرات؛ إذ لا يعمل في غزة سوى خمسة أجهزة تصوير مقطعي من أصل 18 جهازًا، فيما تعمل الأجهزة المتبقية فوق طاقتها، بينما لا تتوفر خدمة التصوير بالرنين المغناطيسي بعد خروج الأجهزة التسعة الموجودة في القطاع من الخدمة.
ويقول محمد أبو سلمية، مدير مجمع الشفاء الطبي، إن الفرق الطبية تضطر إلى حصر فحوص المختبر والأشعة والتصوير المقطعي في الحالات الأكثر إلحاحًا، وهو ما يضع الأطباء أمام قرار تحديد المريض الذي يحتاج إلى الفحص فورًا والمريض الذي يمكن تأجيل فحصه، بينما يبقى آخرون على قوائم الانتظار رغم حاجتهم إلى التشخيص أو متابعة العلاج.
ويؤكد أبو سلمية أن 50% من أصناف الأدوية في القطاع وصلت إلى رصيد صفري، وإن أكثر من 300 صنف من أدوية الأمراض المزمنة مفقود، فيما يبلغ عجز المستهلكات الطبية 70% ونقص المواد المخبرية 80%.
تراكمات متدرجة
وبحسب تقرير "أوتشا" الصادر في 25 سبتمبر/أيلول، تواجه خدمات علاج الأمراض غير السارية نقصًا في أدوية السرطان ومستلزمات العلاج الكيميائي والإشعاعي، إلى جانب نقص مستلزمات غسيل الكلى ونظائر الإنسولين لمرضى السكري من النوع الأول.
وأشار التقرير إلى توقف خدمات التصوير الشعاعي للثدي والتصوير المقطعي في المستشفى الأهلي، فيما يواصل مستشفى القدس التابع للهلال الأحمر الفلسطيني تقديم التصوير الشعاعي للثدي بقدرات محدودة.
وبحسب بيانات مجموعة الصحة التي أوردها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، تظهر آثار نقص الخدمات الصحية أيضًا في أعداد الأمراض المعدية التي تسجلها المرافق الصحية في القطاع. فبين 14 و20 سبتمبر/أيلول، أُجريت 279,419 استشارة صحية في 215 موقعًا صحيًا عاملًا، وشكلت الأمراض السارية 18% من مجموع الاستشارات.
ومثلت التهابات الجهاز التنفسي الحادة 52% من الحالات المرضية الواجب الإبلاغ عنها، تلتها الالتهابات الجلدية بنسبة 28%، ثم الإسهال المائي الحاد بنسبة 20%. كما سُجلت حالة جديدة من الشلل الرخو الحاد، ليرتفع العدد التراكمي إلى 22 حالة منذ بداية عام 2026.
وقبل ذلك بأيام، وثّق "أوتشا" 45,190 حالة قوباء بين 2 أغسطس/آب و12 سبتمبر/أيلول، وهي عدوى جلدية بكتيرية شديدة العدوى تصيب الأطفال بصورة خاصة، وشكلت 2.5% من مجموع الاستشارات خلال تلك الفترة.
وترتبط هذه الحالات أيضًا بظروف المياه والصرف الصحي في القطاع. ففي أغسطس/آب، جمعت الجهات الصحية 938 عينة مياه في أنحاء القطاع، وأظهرت النتائج أن أكثر من 73% منها لم تستوفِ مستويات الكلور المتبقي التي توصي بها منظمة الصحة العالمية، بينما أظهرت 18% منها تلوثًا ميكروبيًا.
وفي سياق متصل، قالت بلدية غزة إن محطات معالجة مياه الصرف الصحي الست في غزة كانت خارج الخدمة، بينما كان 70% من محطات الضخ متوقفًا، مع تصريف أكثر من 150 ألف متر مكعب من مياه الصرف غير المعالجة يوميًا. وحذرت من أن هذا الوضع، مع اقتراب موسم الأمطار، يرفع مخاطر التلوث وانتشار الأمراض، خصوصًا في مناطق النزوح.
خارج الاحصائيات
وتقول منظمة الصحة العالمية إن نحو 1.7 مليون شخص ما زالوا نازحين، ويعيش معظمهم في ظروف مكتظة مع نقص في المأوى والمياه والصرف الصحي، فيما ارتفعت حالات الإسهال المائي الحاد واستمر تلوث المياه، بينما تجعل القيود على معدات التشخيص والمختبرات من الصعب على الجهات الصحية تحديد مخاطر التفشي والاستجابة لها مبكرًا.
بعد ثلاث سنوات من الحرب والإبادة، تظهر الخسائر الصحية في حالات البتر وإصابات الحبل الشوكي التي تحتاج إلى تأهيل طويل الأمد، والمرضى الذين تتأخر فحوصهم أو علاجاتهم، والحالات المعدية التي تسجلها المرافق الصحية، ومشكلات المياه والصرف الصحي التي تزيد مخاطر انتشار الأمراض. وهي تداعيات صحية لا تظهر في أرقام الشهداء، لكنها أصبحت جزءًا من واقع غزة بعد ثلاث سنوات من الأوبئة والأمراض والإعاقات.