خاص - شهاب
في الساعات الأولى من صباح السبت، السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، خُطّت في تاريخ الصراع العربي "الإسرائيلي" إحدى أشد اللحظات مفصلية وأكثرها تأثيراً؛ حيث تمكنت المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، عبر هجوم كاسح ومباغت أُطلق عليه اسم "طوفان الأقصى"، من دكّ حصون التشكيل العسكري "الإسرائيلي" الأهم على حدود القطاع، وهو ما أدى إلى سقوط "فرقة غزة" (الفرقة 643) بكامل تشكيلاتها وألويتها في غضون ساعات قليلة.
ولم تكن هذه العملية مجرد جولة قتال خاطفة، إذ شكلت زلزالاً استراتيجياً أطاح بـ "نظرية الأمن الإسرائيلي" القائمة على الردع، والإنذار المبكر، والسيطرة الذكية عبر الجدران العازلة، لتترك المؤسسة العسكرية والاستخبارية لدى الاحتلال في حالة من التخبط والفوضى الشاملة التي امتدت تداعياتها وتفاعلاتها التحقيقية والسياسية لسنوات لاحقة.
"فرقة غزة".. العمود الفقري لحصار القطاع ينهار في ساعات
تُعد "فرقة غزة" (الفرقة 643)، التي تتخذ من قاعدة "رعيم" العسكرية مقراً لفيادتها -على بعد 7 كيلومترات من الحدود- رأس الحربة لجيش الاحتلال في إدارة الحصار المباشر، وتثبيت الحراسة على طول حدود قطاع غزة، وإدارة عمليات الاغتيال والتجسس واكتشاف الأنفاق.
وتتألف الفرقة من لواءين رئيسيين: اللواء الشمالي ("هغيفن") المسؤول عن حراسة شمال القطاع وحاجز "إيرز"، واللواء الجنوبي ("قطيف") المتمركز في مناطق كرم أبو سالم و"غلاف غزة" الجنوبي، إلى جانب وحدات نخبوية متخصصة مثل وحدة "شمشون" للمستعربين، ووحدة "أفيري هبلادا" (فرسان الفولاذ) المتخصصة في كشف الأنفاق والاغتيالات، ويقدر مجمل جنودها وقواتها بنحو 20 ألف جندي.
ومع انطلاق شرارة المعركة عند الساعة 06:30 صباحاً تحت غطاء من الفيض الصاروخي الذي شلّ حركة المنظومات الدفاعية القريبة، باغتت المقاومة قواعد الفرقة واقتحمتها من نحو 29 محاوراً هجومياً. وأعلنت كتائب القسام منذ اليوم الأول انقطاع الاتصال بين قيادة الفرقة وقواتها وسقوطها بالكامل.
وبحسب ما كشفه الكاتب "الإسرائيلي" إيلان كفير في كتابه "سقوط فرقة غزة"، فإن اندفاع المقاومين لم يقف عند حدود ثكنات الغلاف، وإنما شمل التخطيط واقتحام مقرات استخبارية حساسة للغاية، مثل قاعدة "يركون" التابعة لقيادة المنطقة الجنوبية، حيث شلّ المقاومون حركتها واغتنموا وثائق ومعدات إلكترونية، مع وجود مخططات لمهاجمة مقر وحدة الاستخبارات العسكرية الشهيرة "8200" في الجنوب، وهو ما وصفه الكاتب بأنه كان وشيكاً من إحداث "كارثة استخباراتية كبرى".
اعترافات "شلل قيادي وفشل استخباري بامتياز"
عقب العملية، توالت اعترافات المسؤولين العسكريين والاستخباريين في "إسرائيل" حول الفشل المدوّي. وتوجت هذه الاعترافات بتحقيقات رسمية أعلن عنها رئيس هيئة الأركان السابق هرتسي هاليفي، متحملاً المسؤولية عن الإخفاق، وصولاً إلى إقرارات خلفه إيال زامير بالفشل الشامل للجيش في حماية قواعده ومستوطنيه في ذلك اليوم.
وأظهرت نتائج التحقيقات العسكرية الداخلية مجموعة من الحقائق الميدانية القاسية التي أذهلت الأوساط "الإسرائيلية"، أولها "العمى القيادي والشلل التكتيكي"، إذ استغرقت القيادة العسكرية الجنوبية وهيئة الأركان ساعات طويلة لتكوين صورة ميدانية لما يجري، حيث تبين أن قائد اللواء الجنوبي للفرقة العقيد آساف حمامي قد قُتل في بداية الهجوم، وأصيب نائبه بجروح خطيرة إلى جانب مقتل وإصابة عدد كبير من قادة الكتائب والسرايا، مما ترك الفرقة من دون قيادة ميدانية.
والحقيقة الثانية، هي "عدم التكافؤ والفوضى"، حيث تشير تقديرات صحيفة "هآرتس" العبرية إلى أن عدد الجنود الذين كانوا يوجدون على طول الحدود لحظة الاقتحام لم يتجاوز 770 جندياً مقاتلاً و14 دبابة مأهولة، حيث وجدوا أنفسهم أمام اقتحام واسع نفذه نحو 5600 مقاتل من المقاومة.
أما الثالثة، "انهيار منظومة الاتصال والاستعانة" بـ "الواتساب"، إذ كشف ضباط "إسرائيليون" مشاركون في إدارة العمليات، مثل المقدم "كوبي الباسي"، أن القادة والجنود لجؤوا لاستخدام مجموعات تطبيق "واتساب" الخاص للتواصل ومعرفة المواقع التي تسقط على الأرض في ظل انهيار شبكة الاتصالات العسكرية وتدمير المقاومة لأبراج المراقبة والسيطرة الإلكترونية.
فيما الحقيقة الرابعة، "جمود المفهوم الاستخباري" (الكونسبت)، حيث ارتكز الفشل الاستخباري "الإسرائيلي" على فرضية خاطئة سادت لسنوات، مفادها أن "حماس مرتدعة" وتهتم فقط بـ "إدارة الصراع"، وأن الجدار الأمني الذكي تحت وفوق الأرض كافٍ لمنع أي توغل بري واسع.
ووصف رئيس شعبة العمليات السابق في جيش الاحتلال "يسرائيل زيف" ما حدث بأنه "انهيار شامل بدأ من الأسفل إلى الأعلى طال الكتائب والألوية وصولاً إلى قيادة المنطقة الجنوبية".
"سقوط "الجيش الذي لا يقهر"
وأثارت مشاهد اقتحام المقرات العسكرية وسقوط فرقة غزة موجة عاتية من التحليلات والتعليقات داخل الإعلام "الإسرائيلي" والدولي.
وأجمعت وسائل الإعلام العبرية (مثل القناة 12، ومعاريف، وهآرتس) على أن يوم 7 أكتوبر سيسجل في التاريخ كأحد أفدح الكوارث الوطنية والعسكرية لـ"إسرائيل" منذ تأسيسها.
وأكد تامير هايمان، رئيس معهد أبحاث الأمن القومي بحديثه للإعلام العبري، أن "هجوم 7 أكتوبر كشف عن هشاشة أسس الأمن القومي الإسرائيلي وزعزع الثقة بها بشكل غير مسبوق".
وفي السياق ذاته، تناولت الصحف والمراكز البحثية العالمية حدث "يوم العبور" باعتباره تحولاً استراتيجياً أثبت عدم جدوى الاعتماد المفرط على التفوق التكنولوجي والجدران الخرسانية أمام إرادة التخطيط والتكتيك البري.
وكشفت أوراق تحليليّة وبحثية -منها دراسات صدرت لاحقاً حول إعادة تشكيل الإقليم- أن يوم 7 أكتوبر أعاد فرض القضية الفلسطينية كمتغير رئيسي حاسم أعاد ترتيب قواعد الاشتباك والاصطفافات في منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
"ما بعد 7 أكتوبر ليس كما قبله"
لم تقتصر آثار "يوم العبور" وسقوط فرقة غزة على الخسائر الميدانية المباشرة للاحتلال، وإنما تعدتها لتصيب العمق الاستراتيجي للمشروع "الإسرائيلي" برمته، إذ انهارت المبادئ التقليدية لـ "نظرية الأمن" (الردع، الإنذار المبكر، الدفاع، والحسم السريع)، وانكشفت محدودية قدرة سلاح الجو على حسم المعارك دون وجود قوات برية قادرة على التماسك.
كما تم تهشيم صورة "شرطي المنطقة"، إذ تسببت مشاهد الانهيار السريع لفرقة بكامل عتادها وضباطها في ضرب الصورة التي روجت لها "إسرائيل" لعقود كـ "قوة إقليمية عظمى"، وأظهرت حاجتها الماسة إلى التدخل والدعم الأمريكي المباشر للحفاظ على توازنها.
وبحسب مراقبين، برهنت عملية "طوفان الأقصى" على أن مسارات التهدئة والتطبيع وتجاوز حقوق الشعب الفلسطيني لم ولن تجلب الأمن للاحتلال، وأن المقاومة قادرة على التخطيط والتنفيذ المعقد واختراق التحصينات العسكرية المتقدمة.
وذكر مراقبون أن "يوم العبور" وسقوط "فرقة غزة" المدوّي أثبتا أن الترسانات العسكرية والتكنولوجيا المعقدة لا يمكنها إلغاء إرادة الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، ليظل يوم السابع من أكتوبر نقطة فارقة أسقطت هييبة المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية" وغيرت مجرى الصراع في المنطقة إلى الأبد.