تقرير – شهاب
بعد ثلاث سنوات على عملية "طوفان الأقصى" التي شنتها كتائب القسام، الذراع العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس، على أهداف ومواقع عسكرية لجيش الاحتلال، يبرز الحدث في سياقه التاريخي والسياسي، في ظل واقع فلسطيني مثقل بالاحتلال والحصار والاستيطان والاعتداءات المتواصلة على المسجد الأقصى، إلى جانب سنوات من التهجير والاعتقالات وانسداد الأفق أمام الفلسطينيين، بما يؤكد أن القضية الفلسطينية لم تبدأ في السابع من أكتوبر.
نتاج طبيعي
الكاتب والمحلل السياسي د.فايز أبو شمالة، أكد أن معركة "طوفان الأقصى" جاءت استجابة طبيعية للواقع السياسي العربي والفلسطيني؛ الذي أغمض عينيه عن معاناة أهل غزة، وتجاهل تهويد القدس، ولم يلتفت للتمدد الاستيطاني في الضفة الغربية، وتناسى بطش وقسوة الاحتلال الإسرائيلي.
وقال أبو شمالة، في تصريح خاص لوكالة شهاب، إن صرخة إنسانية وسياسية عربية فلسطينية سبقت معركة "طوفان الأقصى"، وناشدت العالم الالتفات إلى أحوال الفلسطينيين، والنظر إليهم كشعب يعيش تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ عشرات السنين، ولا معين لهم ولا مغيث ولا مجير من السكين الإسرائيلية التي واصلت ذبح مئات آلاف الفلسطينيين وتشريد الملايين، واحتقار مئات ملايين العرب الواقفين على بوابات الأمة المتحدة في انتظار العدالة الدولية والإنصاف الإنساني.
وأضاف أن "طوفان الأقصى" سبقته "طوفان العودة"، حيث احتشد عشرات آلاف الفلسطينيين على السياج الفاصل بين غزة والكيان الصهيوني، بصدورهم العارية وصرخاتهم الإنسانية، دون أن يرفعوا قطعة سلاح، ودون أن يطلقوا رصاصة واحدة على الجيش الإسرائيلي، ودون إلقاء حجر واحد على مستوطن صهيوني.
وأوضح أن الفلسطينيين احتشدوا منذ تاريخ 30 مارس 2018 في ذكرى يوم الأرض، واستمرت مسيرات العودة في كل يوم جمعة حتى نهاية عام 2019، بعد مرور 86 يوم جمعة، دون أن يقتل أي إسرائيلي واحد، في الوقت نفسه قتل العدو الإسرائيلي 326 إنسانا من غزة، وتجاوز عدد الجرحى والمصابين 30,000 جريح، من بينهم أكثر من 16,000 مصاب نُقلوا إلى المستشفيات لتلقي العلاج.
وأشار إلى أن الشعب الفلسطيني حاول إيصال معاناته من الاحتلال إلى المجتمع الدولي، وتحمل الخسائر والشهداء والجرحى، على أمل أن يستيقظ "المجتمع الإسرائيلي"، ويفيق من غيبوبة القوة، ويدرك خطورة تجاهل حقوق الفلسطينيين.
ولفت أبو شمالة إلى أن أكثر من سنة ونصف، والشعب الفلسطيني يستجدي حقوقه الإنسانية والسياسية من خلال رفع اليافطات، والصبر على دمهم النازف من الرصاص الإسرائيلي، وتقديم النموذج الطيب الوديع في استجداء الحقوق، لتكون النتيجة فشلا عربيا فلسطينيا في تحقيق أدنى الحقوق الإنسانية، بما في ذلك رفع الحصار عن أهل غزة، وفتح المعابر لدخول مستلزمات الحياة.
وأكد أن الفشل الفلسطيني في تحقيق أية حقوق سياسية من خلال المناشدة والرجاء والتوسل واللجوء إلى العمل الشعبي والجماهيري كان المحرض الأول لقادة "طوفان الأقصى"، كي يفكروا خارج الصندوق، وكان المدرسة التي علمتهم طريقة انتزاع الحق، وأن الوقوف أمام المجتمع الدولي بالتوسل والرجاء وتقديم الدماء كدليل على البراءة من السلاح لم تجد نفعا، ولم تحرر وطنا، ولم ترفع حصارا، ولم تفرج حتى عن الحقوق الإنسانية التي يعتقلها العدو الإسرائيلي خلف جدران الخرافة والأساطير التوراتية.
وشدد على أن معركة "طوفان الأقصى" جاءت كنتاج طبيعي للتعنت الإسرائيلي، وكرد فعل إنساني ضد التجاهل والتآمر والخذلان العربي والعالمي، الذي حسب أن القضية الفلسطينية قد تم طيها بعد مسيرات العودة، ليستيقظ العالم بعد أربع سنوات على "طوفان الأقصى" بجبروته وعظمته وعظته السياسية والثقافية.
وأردف، أن ثلاث سنوات مضت ولم تنته معركة "طوفان الأقصى" التي فجرها الوجود الصهيوني في المنطقة قبل ثورة البراق 1929، ولما تزل تفور وتغلي وتتفاعل مع الأحداث، وتكبر مع الأيام.
صرخة غصب
بدوره، أكد الكاتب والصحفي محمد حجازي، أن "طوفان الأقصى" لم يولد من فراغ، ولم يكن حدثا عابرا بمعزل عن سياقه التاريخي والزمني، بل جاء صرخة غضب مدوية في وجه واقع غاشم لم يعد يطاق.
وقال حجازي في مقال له، إن قطاع غزة عانى على مدار ما يزيد على عقدين، إذ يرزح تحت حصار خانق أطبق على أنفاس أكثر من مليوني إنسان، وحول القطاع إلى أكبر سجن في العصر الحديث، فيما مُنع أبسط مقومات الحياة الإنسانية من دواء وغذاء وحرية حركة، وسط صمت دولي مخزٍ شجع الاحتلال على التمادي في فرض سياسات الخنق والتجويع.
وأضاف أن الشعب الفلسطيني يعيش مضطهدا ومقيدا في أرضه ووطنه من هذا الاحتلال الغاشم الذي سلب الحجر والشجر والبشر، مشيرا إلى أن غزة لم تكن وحدها المستهدفة، بل كان جسر الظلم ممتدا بلا توقف في الضفة الغربية والقدس المحتلة.
وأوضح أن أراضي الضفة شهدت نهبا منظما ومستمرا لمصلحة التوسع الاستيطاني الذي مزق أوصال القرى والبلدات وجعلها كانتونات معزولة، فيما كان القدس والمسجد الأقصى المبارك ولا يزالان يتعرضان لانتهاكات واستباحة يومية مستمرة على مدار الساعة، من اقتحامات استفزازية ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني، بالتوازي مع آلة اعتقالات لا تتوقف، طالت المئات من أبناء الشعب الفلسطيني شيوخا وأطفالا ونساء في حملات قمع ممنهجة.
ولفت إلى أنه أُغلقت كل الأفق السياسية والإنسانية أمام الفلسطينيين، وعلى صعيد قضية الأسرى التي تمس كل بيت فلسطيني، كان الاحتلال يمارس أبشع أشكال التعنت والمماطلة، رافضا بشتى الطرق الاستجابة لأي صفقات عادلة تضمن تحريرهم، ومستترا خلف تعنت سياسي يثبت يوما بعد يوم أنه لا يعبأ بالقوانين الدولية ولا بالاعتبارات الإنسانية.
وأشار حجازي إلى أن الهدف المبيت هو إبقاء الأسرى رهائن للتعذيب والتنكيل الممنهج، مضيفا، "من هنا، جاء طوفان الأقصى ليكون محطة تاريخية بارزة وعلامة فارقة على طريق النصر والتحرير، تماما ككل المحطات النضالية التي سبقته والتي أثبتت أن إرادة الشعوب الحية لا تكسر".
وأكد أن "الطوفان" أثبت مجددا أن درب الحرية والتحرير معبد بالتضحيات الجسام، وأن هذا الشعب، عبر تاريخه المليء بالملاحم والبطولات، قادر دوما على النهوض من تحت ركام الألم والمعاناة ليعيد تصحيح البوصلة نحو وجهتها الأبدية، واعتلاء منصات النصر، واستعادة الحقوق المسلوبة كاملة غير منقوصة.
وفيما يتعلق بما أعقب "الطوفان"، قال إن العدوان الوحشي تمثل في خراب وتدمير ممنهج وإبادة جماعية غير مسبوقة في قطاع غزة، وكشف بوضوح عن الوجه الحقيقي للاحتلال الذي لا يفهم سوى لغة القتل والدمار.
وتابع، أن استهداف المدارس والمستشفيات والمساجد، وتشريد العوائل بأكملها، وقتل الأطفال والنساء بلا رحمة، لا يمكن تفسيره ضمن أي منطق عسكري، بل هو انعكاس صارخ لعقيدة متأصلة تعشق الدماء الفلسطينية وتتلذذ برؤية الخراب والدمار.
وشدد حجازي على أن هذا الإجرام المستمر بحق الفلسطينيين لن يجلب للاحتلال أمنا ولا استقرارا، بل يثبت يوما بعد يوم أن الاحتلال هو جذر كل مأساة، وأن الشعب الفلسطيني، مهما عظمت التضحيات وعظمت الجراح، ماضٍ في طريق نيل حريته وكرامته مهما طال الزمن وغلت التضحيات.