يعرقل الاحتلال الإسرائيلي تنفيذ أول مشروع عسكري أُقرّ لصالح "مجلس السلام" الذي يرأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قطاع غزة، بعدما منع دخول المقاولين والشاحنات اللازمة لإنشاء موقع عسكري متقدم مخصص لاستيعاب 150 جنديًا دوليًا، في خطوة تحول دون بدء المشروع الذي يُفترض أن يشكل نواة لقوة استقرار دولية في القطاع.
وذكرت صحيفة "الغارديان" البريطانية، في تقرير نشرته الأربعاء، أن المشروع الذي أُسند تنفيذه إلى شركة "أركل إنترناشونال" الأميركية مطلع أغسطس/آب الماضي، لا يزال متوقفًا بعد نحو شهرين من إبرام عقد الإنشاء، بسبب رفض سلطات الاحتلال السماح بإدخال المعدات وبدء الأعمال في غزة.
ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع مباشرة على الملف أن الاحتلال لا يسمح للمقاولين والشاحنات بالدخول إلى القطاع، مشيرًا إلى أن الجانب الإسرائيلي يرفض فتح المعبر أمام تنفيذ المشروع.
وبحسب المصدر، فإن غياب قوة الاستقرار الدولية يجعل تنفيذ المشروع مستحيلًا في الظروف الحالية، في ظل منع إدخال معدات البناء وتعذر إنشاء المرافق الأساسية اللازمة لتشغيل الموقع، بما فيها مرافق الدعم والخدمات الضرورية لإقامة الجنود.
وأضاف المصدر أن مجلس السلام يعتقد أن الحكومة الإسرائيلية قد تسمح بالمضي في المشروع بعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، ما يعني استمرار تعطيله إلى حين اتضاح الموقف الإسرائيلي.
ويكشف تعثر المشروع عن فجوة بين الخطط التي يطرحها مجلس السلام بشأن مستقبل غزة، والقيود التي يفرضها الاحتلال على الأرض، حتى في ما يتعلق بمشروع عسكري دولي يُفترض أن يكون جزءًا من ترتيبات المرحلة التالية لوقف إطلاق النار.
ولا يقتصر التعثر على المشروع العسكري، إذ تواجه خطة إعادة إعمار غزة التي أعلنها "مجلس السلام" مستقبلًا غامضًا، في ظل استمرار الخلافات بشأن ترتيبات وقف إطلاق النار، ونزع سلاح حركة حماس، وانسحاب قوات الاحتلال من القطاع.
وكان المجلس قد أعلن في 23 سبتمبر/أيلول الماضي خطة بقيمة 2.45 مليار دولار لبدء إعادة الإعمار، تتضمن 66 مشروعًا تستهدف إعادة تأهيل البنية التحتية وإنعاش الاقتصاد الذي دمرته الحرب الإسرائيلية.
وتشمل الخطة إصلاح المعابر الحدودية وشبكات الكهرباء والمياه، ونشر 25 ألف وحدة محمولة للطاقة الشمسية، إلى جانب ردم الأنفاق الواقعة أسفل المواقع المحددة لتنفيذ مشروعات إعادة الإعمار ذات الأولوية.
وتأتي هذه الخطط في وقت لا يزال فيه أكثر من مليوني فلسطيني يواجهون أوضاعًا إنسانية قاسية بفعل الدمار الواسع والنزوح، وسط احتياجات هائلة لإعادة بناء المنازل والمرافق الحيوية واستعادة الخدمات الأساسية.
وتُقدّر الخطة الأضرار المادية التي لحقت بقطاع غزة بنحو 35.2 مليار دولار، فيما تصل التكلفة المقدرة للتعافي الكامل وإعادة الإعمار إلى 71.4 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة، وفق الأرقام الواردة في التقرير.
وفي هذا السياق، وصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إعادة الإعمار بأنها مشروع طويل الأمد يمنح سكان القطاع أملًا في المستقبل، فيما أقر جاريد كوشنر، صهر ترمب وأحد واضعي الخطة، بحدوث تأخيرات، مشددًا على حق الاحتلال في "إنهاء المهمة" إذا لم تلقَ حركة حماس سلاحها.
ويأتي تعطل المشروع العسكري بالتزامن مع استمرار الخلافات حول مستقبل الترتيبات الأمنية والسياسية في غزة، ما يضع الخطط الأميركية أمام اختبار عملي، في ظل تحكم الاحتلال في دخول المعدات ومواد البناء إلى القطاع، وقدرته على تعطيل تنفيذ المشروعات المعلنة.
ويُعدّ مجلس السلام، الذي تأسس عقب اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، أحد المحاور الرئيسية التي يستند إليها ترمب في تقديم سياسته باعتبارها مدخلًا لإنهاء الحرب وترتيب مستقبل غزة، غير أن تعثر أول مشروعاته الميدانية يسلط الضوء على العقبات التي تواجه تحويل التعهدات والخطط المعلنة إلى خطوات تنفيذية على الأرض.
