تواصل الرافعات العسكرية التي نشرها جيش الاحتلال الإسرائيلي على امتداد المناطق الشرقية من قطاع غزة إطلاق النار باتجاه الأحياء السكنية ومخيمات النزوح، محوّلةً مناطق واسعة من القطاع إلى ساحات مكشوفة أمام نيران الرشاشات، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وأفادت مصادر محلية، الأربعاء، بإطلاق نار متقطع من رافعة عسكرية شرقي مدينة غزة، بالتزامن مع استمرار إطلاق النار من الآليات العسكرية الإسرائيلية في المناطق الشرقية للمدينة وحي التفاح، في مشهد يتكرر رغم الاتفاق الذي لم ينهِ الاعتداءات على الفلسطينيين.
وبحسب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، نشر جيش الاحتلال 23 رافعة عسكرية في مواقع خلف ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»، الفاصل بين المناطق الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية وبقية القطاع. وأوضح المركز أن هذه الرافعات مزودة بكاميرات مراقبة، ويُشغَّل بعضها عن بُعد، وقد وثّق إطلاق النار منها على مناطق مدنية، ما أسفر عن شهداء وجرحى.
وأكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة نشر 23 رافعة في مواقع مختلفة شرقي الخط الأصفر، مشيرًا إلى تجهيزها برشاشات وأنظمة مراقبة متقدمة.
ولم تعد هذه الرافعات، التي ظهرت على نطاق واسع منذ منتصف يونيو/حزيران 2026، مجرد وسائل للمراقبة، بل باتت مصدر تهديد مباشر للنازحين الذين يقيمون في الخيام، حتى في المناطق البعيدة عن خطوط المواجهة، وفق شهادات فلسطينية وتقارير حقوقية وإعلامية.
وسجلت الأشهر الماضية حوادث إطلاق نار دامية من هذه المواقع العسكرية. ففي يونيو/حزيران الماضي، قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» إن طفلة أُصيبت برصاصة في صدرها أُطلقت من سلاح مثبت على رافعة، بينما كانت داخل خيمتها. كما أفاد المتحدث باسم المنظمة، جيمس إلدر، بأن بياناتها وثّقت استشهاد 265 طفلًا منذ إعلان وقف إطلاق النار، جراء هجمات إسرائيلية مباشرة في أكثر من 90% من الحالات.
وفي يوليو/تموز، استشهدت الطفلة تالا جمعة أبو مطر، البالغة ثمانية أعوام، داخل خيمة عائلتها شرقي مخيم النصيرات وسط القطاع، إثر إصابتها برصاصة أُطلقت من رافعات إسرائيلية متمركزة شرقي المنطقة، بحسب مصادر محلية وطبية.
وتواصلت هذه الحوادث في سبتمبر/أيلول، مع وفاة الشاب محسن بهجت، البالغ 25 عامًا، متأثرًا بإصابته برصاصة في الرأس أُطلقت من رافعات عسكرية في المناطق الشرقية لشمال القطاع. كما أفاد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بوفاة الطفلة ميس، البالغة تسعة أعوام، بعد إصابتها برصاصة في الرأس داخل موقع نزوح قرب النصيرات، يُرجح أنها أُطلقت من آليات ورافعات عسكرية متمركزة قرب المخيم.
وفي شمال القطاع، أصيب النازح محمد الزعن أمام خيمته في مخيم حلاوة بجباليا النزلة، بعدما فتحت رافعة عسكرية إسرائيلية النار باتجاه مجموعة من النازحين. ويستخدم جيش الاحتلال رافعات متمركزة شرقي جباليا لإطلاق النار باتجاه مخيمات جباليا وحلاوة وبلدة بيت لاهيا، ما يهدد حياة الفلسطينيين الذين لجؤوا إلى الخيام بحثًا عن مأوى.
أما في جنوب القطاع، فتنتشر رافعات عسكرية شرقي بلدة القرارة، وتُستخدم لإطلاق النار باتجاه خيام النازحين في منطقة المواصي قرب مدينة حمد شمالي خان يونس، ما أدى إلى إصابة فلسطينيين، وفق مصادر محلية.
ووصف الصحفي تامر ناهض، المقيم في غزة، هذه الرافعات بأنها ترتفع نحو 30 مترًا، ومزودة برشاشات وكاميرات مراقبة، مشيرًا إلى أنها تطلق النار بصورة عشوائية وشبه متواصلة على الخيام والشوارع والأحياء المكشوفة. ولفت إلى أن ارتفاعها يمنحها قدرة على كشف مساحات واسعة من مدينة غزة، التي لا يتجاوز عرضها نحو عشرة كيلومترات.
ونقلت صحيفة «ذا ناشيونال» شهادات سكان تحدثوا عن شعور دائم بالانكشاف والخطر، حتى في الأحياء البعيدة عن الحدود ومناطق المواجهات، إذ يمكن رؤية الرافعات من أسطح المباني والطوابق العليا والمناطق المفتوحة في غرب المدينة.
وأوردت الصحيفة حادثة استشهاد أحد سكان مدينة غزة برصاصة داخل مقهى بعيد عن أي مواجهة، مشيرة إلى أن محققين رجحوا انطلاق الرصاصة من إحدى الرافعات المتمركزة شرقي المدينة، فيما لم يعلّق جيش الاحتلال على الحادثة.
واعتبر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن نشر هذه الرافعات واستخدامها لإطلاق النار على المناطق المدنية يمثلان دليلًا إضافيًا على سياسة تهدف إلى تقويض مقومات بقاء الفلسطينيين وخلق ظروف تدفعهم إلى النزوح المتكرر.
وتأتي هذه الاعتداءات في ظل استمرار خروقات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار، إذ أعلنت وزارة الصحة في غزة، حتى الثلاثاء، استشهاد 1498 فلسطينيًا وإصابة 5306 آخرين منذ بدء سريان الاتفاق في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وبالتزامن مع إطلاق النار من الرافعات والآليات العسكرية، وسّع جيش الاحتلال نطاق ما يُعرف بالخط الأصفر قرب شارع صلاح الدين في حي التفاح شرقي مدينة غزة، في وقت بات فيه نحو ثلثي مساحة القطاع خاضعًا للسيطرة العسكرية الإسرائيلية أو لقيود على الوصول، ما يضيّق المساحات المتاحة أمام الفلسطينيين ويزيد مخاطر العيش في مخيمات النزوح والمناطق المكشوفة.