لم يكن فتح باب المنزل في بلدة تلفيت جنوب نابلس، بالنسبة إلى يوسف أبو عيشة، سوى استجابة لطرقات ظنّ أن وراءها جنودًا إسرائيليين، لكن اللحظات التالية تحولت إلى اعتداء نفذه خمسة مستوطنين، طاله وزوجته أمام أطفالهما السبعة، وخلّف إصابات جسدية وخوفًا لا تزال العائلة تعيش تبعاته.
لحظات فاصلة
وبحسب أبو عيشة، بدأ الاعتداء عندما طرق المستوطنون باب منزله وقدموا أنفسهم على أنهم جنود في جيش الاحتلال الإسرائيلي. وما إن فتح الباب حتى باغتوه بالهجوم، ولم يمنحوه فرصة لإغلاقه أو الدفاع عن نفسه، بينما كان يحاول حماية زوجته وأطفاله من الضرب الذي تعرض له على أيدي المهاجمين.
وقال أبو عيشة، إن خمسة مستوطنين هاجموه دفعة واحدة، وإنه لم يتمكن من التصدي لهم بمفرده، في وقت كان فيه أطفاله يشاهدون الاعتداء الذي وقع داخل منزل يفترض أن يكون ملاذهم الآمن.
واستمر الهجوم نحو خمس دقائق، وفق روايته، لكنها كانت كافية لترك آثارها على أفراد العائلة، بعدما وجدت الزوجة نفسها أمام مشهد الاعتداء على زوجها، فيما كان الأطفال السبعة شهودًا على ما جرى.
لم تكتفِ زوجة أبو عيشة بمشاهدة الاعتداء، بل حاولت التدخل للدفاع عن زوجها، لكنها تعرضت بدورها للضرب، وأصيبت بجرح عميق في الرأس.
واستعادت الزوجة لحظات الهجوم، وهي ترى زوجها يتعرض للضرب والخنق، من دون أن تتمكن من إبعاده عن أيدي المهاجمين. وقالت إن خوفها على أطفالها كان حاضرًا طوال الاعتداء، خشية أن يمتد إليهم الأذى، فيما لم تنتبه في البداية إلى خطورة إصابتها ونزيف رأسها، لانشغالها بما يتعرض له زوجها أمام عينيها.
ولم يقتصر الضرر على الزوجين؛ إذ أصيبت طفلتهما جود بكسر في قدمها، لتواجه العائلة تبعات الاعتداء على أكثر من مستوى، بين إصابات جسدية أصابت أفرادًا منها، ومشاهد قاسية عاشها الأطفال السبعة داخل منزلهم.
ومنذ ذلك الاعتداء، لم تعد طرقات الباب تفصيلًا عابرًا في حياة الأسرة، بل ارتبطت بالخوف من تكرار الهجوم، في ظل مخاوف من اعتداءات جديدة تطال العائلة وبلدتها.
بين الحياة والموت
وتأتي واقعة عائلة أبو عيشة في سياق اعتداءات ينفذها مستوطنون ضد الفلسطينيين في مناطق متفرقة من الضفة الغربية المحتلة، وتطال المزارعين والأهالي وممتلكاتهم.
وفي 10 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أصيب ثلاثة فلسطينيين، بينهم مسن، جراء هجوم شنه مستوطنون على مزارعين في بلدة بيتا جنوب نابلس، وفق ما أوردته تقارير عن الحادثة.
كما أفادت وكالة الأنباء الفلسطينية بأن مستوطنين هاجموا مزارعين في بلدة قفين شمال طولكرم، تحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي، في واقعة أخرى تعكس المخاطر التي يواجهها الفلسطينيون خلال وجودهم في أراضيهم الزراعية.
ولا تقف آثار هذه الاعتداءات عند الإصابات المباشرة أو الأضرار المادية، كما تظهر حالة عائلة أبو عيشة، التي امتد الهجوم عليها إلى أطفال شاهدوا الاعتداء على والديهم، وطفلة أصيبت بكسر في قدمها، وأسرة باتت تخشى تكرار ما تعرضت له داخل منزلها.
وفي ظل تزايد التقارير عن الاعتداءات، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، السبت 17 أكتوبر/تشرين الأول، إن مشاهد عنف المستوطنين في الضفة الغربية "مزعجة"، مشيرًا إلى لقطات تُظهر الاعتداء على مصورة صحفية أميركية.
وأضاف روبيو أن الولايات المتحدة طلبت من حكومة الاحتلال اتخاذ إجراءات لردع هذه الهجمات، وقال إن واشنطن تشعر بقلق بالغ إزاء المشاهد المتداولة، وإنها تواصل مطالبة الجانب الإسرائيلي بالتحرك لمنع تكرارها.
وجاءت تصريحاته عقب انتشار مقطع مصور يُظهر مستوطنين يعتدون على هايدي ليفين، المصورة الصحفية الأميركية في صحيفة «واشنطن بوست»، خلال هجوم على مدنيين فلسطينيين، الجمعة، أسفر عن إصابة شخصين على الأقل، بحسب ما ورد في التقارير عن الحادثة.
لكن بالنسبة إلى عائلة أبو عيشة في تلفيت، لا تختزل المسألة في تصريحات الإدانة أو المطالبات باتخاذ إجراءات؛ فالعائلة تواجه تبعات اعتداء وقع داخل منزلها، أمام أعين أطفالها السبعة، وترك وراءه إصابات وخوفًا من تكرار الهجوم.
وفيما تحاول الأسرة استعادة شعورها بالأمان، تبقى تفاصيل ما جرى حاضرة في حياتها اليومية، من إصابة الزوجة في رأسها إلى كسر قدم الطفلة جود، وصولًا إلى خوف الأطفال الذين شاهدوا الاعتداء على والديهم. وهي تبعات لا تنتهي بانسحاب المهاجمين من المنزل، بل تستمر بعد انتهاء دقائق الهجوم.