خاص - نور الدلو
منزل في شمال قطاع غزة، وأب يتمسك به خوفًا من تكرار تجربة الفقدان، وعائلة تحاول مواصلة حياتها تحت وطأة الحرب.. من هذه التفاصيل تنطلق مسرحية "صمود غزة" التي يقدمها المسرح الحكومي التركي في إسطنبول، لتروي المأساة الفلسطينية من داخل منزل واحد، وتنتهي برسالة تربط مصير العرض بشخصية حنظلة، رمز اللجوء والتمسك بحق العودة.
في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2026، شهد مركز أتاتورك الثقافي في إسطنبول العرض الأول لمسرحية "Sumud (Gazze)"، من تأليف وإخراج جَم زينل كيليتش، وإشراف إمرة باشَر، نائب المدير العام للمسارح الحكومية التركية.
وتدور أحداث المسرحية داخل منزل في شمال قطاع غزة، حيث تحاول عائلة محمود وظاهرة التمسك بالحياة وسط القصف والخوف من فقدان أفرادها وممتلكاتها. ويبرز محمود بوصفه أبًا يرفض مغادرة المنزل، بعدما فقد منزلًا وحديقة في الضفة الغربية عام 2000، خشية أن تتكرر تجربة الفقدان في غزة.
ومن خلال هذه الحكاية، ينتقل العمل من مشهد الحرب الواسع إلى تفاصيل الحياة تحت القصف، حيث لا يقتصر الخطر على تهديد الأرواح وتدمير المنازل، بل يمتد إلى شعور العائلة بالأمان واستقرارها ومستقبل أطفالها.
حنظلة يدير ظهره.. والممثلون يمتنعون عن تحية الجمهور
في ختام العرض الأول، امتنع الممثلون عن الخروج لتحية الجمهور، وظهرت على خشبة المسرح عبارة: "لن تُقدَّم تحية الجمهور في هذه المسرحية حتى يدير حنظلة وجهه إلى العالم".
وتستحضر العبارة شخصية حنظلة التي ابتكرها رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، وأصبحت رمزًا للجوء الفلسطيني والتمسك بالهوية وحق العودة. ويظهر حنظلة في رسومات العلي طفلًا يدير ظهره إلى العالم، في صورة ارتبطت بالاحتجاج على واقع الفلسطينيين وبانتظار تغير يسمح له بمواجهة العالم.
وبهذا الاختيار، امتدت رسالة المسرحية إلى ما بعد نهايتها؛ إذ ربطت تحية الجمهور بتحول لم يتحقق بعد في دلالة الشخصية الرمزية. وهكذا أصبح الامتناع عن التحية جزءًا من الرسالة التي يقدمها العمل بشأن استمرار المأساة الفلسطينية وعدم انفصالها عن حياة من يعيشونها يوميًا.
نص يعود من عام 2012.. ويُعاد تشكيله على وقع حرب غزة
تعود خلفية المسرحية إلى نص سابق للمؤلف والمخرج جَم زينل كيليتش بعنوان "صمود فلسطين"، كتبه عام 2012 متناولًا أحداث الانتفاضة الفلسطينية. وقد أُدرج النص في برنامج المسارح الحكومية التركية، لكنه لم يُعرض آنذاك.
ومع الحرب على غزة، عاد كيليتش إلى النص وأعاد صياغته في ضوء التطورات الجديدة، لتصبح معاناة عائلة فلسطينية محور الحكاية.
وأوضح أن تحديث العمل تطلب التعامل بحساسية مع الأحداث وتفاصيلها، نظرًا إلى ثقلها الإنساني وصعوبة تحويلها إلى نص مسرحي.
كما أشار إلى أن من أهداف المسرحية تقريب المجتمع التركي من التجربة الفلسطينية، من خلال تقديم قصة تسمح للجمهور بالتفاعل مع الشخصيات والتعرف إلى آثار الحرب في حياتها.
ويعكس هذا المسار عودة نص ظل سنوات دون عرض إلى خشبة المسرح، بعد أن فرضت الحرب على غزة سياقًا جديدًا لإعادة قراءته وتقديمه.
"صمود".. التمسك بالحياة والذاكرة
يحمل عنوان المسرحية دلالة تتجاوز البقاء على قيد الحياة؛ فالصمود في السياق الفلسطيني يرتبط بالتمسك بالأرض والهوية والذاكرة، ومواصلة الحياة رغم التهجير والخسائر.
ويتجسد هذا المعنى في تمسك محمود بمنزله، الذي لا يمثل مكانًا لإقامة أسرته فحسب، بل يرتبط أيضًا بتجربة سابقة من فقدان البيت والاستقرار. ومن خلال هذه الشخصية، يضع العمل المشاهد أمام أحد أوجه المأساة الفلسطينية: الخوف من أن يتحول فقدان المنزل إلى تجربة متكررة، وأن تصبح الحياة نفسها سلسلة من محاولات النجاة وإعادة البناء.
كما تمنح الحكاية مساحة للآثار التي لا تظهر دائمًا في مشاهد الدمار، من القلق على أفراد الأسرة إلى اضطراب الحياة اليومية والخوف على مستقبل الأطفال. وبهذا، يقدم العمل الحرب من زاوية إنسانية تركز على ما تتركه في الأفراد وعلاقاتهم، إلى جانب خسائرها المادية.
ولا تنفصل هذه المعاني عن الخلفية التاريخية للقضية الفلسطينية، التي ارتبطت منذ نكبة عام 1948 بالتهجير وفقدان المنازل واللجوء، ثم تعاقبت عليها مراحل الاحتلال والحصار والحروب. وفي هذا السياق، تكتسب فكرة التمسك بالبيت في المسرحية دلالة تتجاوز حدود الحكاية الفردية، من دون أن تختزل التجربة الفلسطينية بأكملها في قصة واحدة.
وفي نهاية العرض، يبقى حنظلة مديرًا ظهره إلى الجمهور، فيما تظل العبارة التي تمنع تحية المشاهدين معلقة على الخشبة. وبين قصة العائلة ورمزية الشخصية، تطرح «صمود (غزة)» سؤالًا عن قدرة الفن على إبقاء المأساة حاضرة في الوعي العام، وعن المسافة بين مشاهدة ما يحدث والشهادة عليه.