تقرير – شهاب
تعود مخاوف المجاعة التي شهدها قطاع غزة خلال حرب الإبادة لتخيّم على حياة العائلات، مع تراجع المساعدات الغذائية وارتفاع الأسعار ما يزيد معاناة المواطنين ويصعّب عليهم تأمين قوت يومهم.
وتتفاقم هذه المخاوف في ظل تقليص برنامج الأغذية العالمي عدد المستفيدين من مساعداته بنحو نصف مليون شخص بسبب نقص التمويل، بالتزامن مع استمرار قيود الاحتلال على المعابر وإغلاقها خلال الأيام الماضية، ما أعاق دخول العديد من السلع الأساسية، بما فيها الخضراوات والفواكه، إلى جانب المساعدات الإنسانية، الأمر الذي يهدد بتفاقم الأزمة الغذائية، خصوصًا بين العائلات النازحة والأسر الفقيرة التي تعاني من انعدام مصادر الدخل.
شبح الجوع
ويخشى المواطن أبو علي أبو عودة، أن يجد نفسه مضطرًا للبحث مجددًا عن الطحين والمواد الأساسية لتأمين الطعام لعائلته المكونة من خمسة أفراد، والعودة إلى الأيام القاسية التي عاشها خلال المجاعة السابقة، حين أصبح الحصول على الغذاء معركة يومية.
وبعد عام على وقف إطلاق النار، كان أبو علي يأمل أن تتحسن الأوضاع بغزة، وأن تدخل المساعدات والمواد الغذائية بكميات كافية إلى القطاع، بما يتيح للعائلات تأمين احتياجاتها الأساسية والتخلص من شبح الجوع الذي لازمها خلال الحرب.
لكن تراجع المساعدات واستمرار القيود على دخول البضائع يجددان مخاوفه من عودة المجاعة، ويعيدان إلى الأذهان أيام الجوع والمعاناة التي عاشتها العائلات خلال الحرب.
أما أبو خالد أبو قادوس، فيستعيد عجزه عن تلبية طلبات أطفاله خلال المجاعة السابقة، حين كانوا يطلبون الطعام وبعض احتياجاتهم الأساسية، دون أن يتمكن من توفيرها لهم، في ظل شح المواد الغذائية وانعدام الخيارات المتاحة أمام العائلات.
ويستذكر أبو خالد ما خلّفه إغلاق الاحتلال المعابر في مارس الماضي من مجاعة حادة في قطاع غزة، بعدما منع الاحتلال إدخال المساعدات والبضائع، ما فاقم الجوع وسوء التغذية وأدى إلى وفاة مئات المواطنين، في ظل انعدام الغذاء وصعوبة الحصول على المواد الأساسية.
ومع تجدد المخاوف من مجاعة جديدة، يواجه أبو خالد، الذي استنزفته ظروف الحرب والنزوح، صعوبة في تحمّل موجة أخرى من الغلاء ونقص السلع، مشيرًا إلى أن كثيرًا من النازحين يعتمدون على المساعدات الإغاثية لتأمين احتياجاتهم اليومية.
وخلال المجاعة التي شهدها قطاع غزة عام 2025، أعلنت وزارة الصحة تسجيل أكثر من 400 حالة وفاة نتيجة المجاعة وسوء التغذية، بينهم عشرات الأطفال، في حصيلة تعكس حجم الكارثة الغذائية التي عاشها القطاع.
ضيق أبواب النجاة
وفي السياق، حذّرت الكاتبة د. أميرة فؤاد النحال من تفاقم المجاعة في قطاع غزة، في ظل تراجع المساعدات الدولية تحت ضغط نقص التمويل، ووقف برامج غذائية تمس حياة مئات الآلاف، إلى جانب احتكار السلع واستغلال الندرة ورفع الأسعار.
وقالت، إن المجاعة في غزة لا تبدأ من فراغ، ولا تُقاس خطورتها بما ينقص رفوف الأسواق وحدها، وإنما بما يتآكل من قدرة الإنسان على البقاء، مشيرة إلى أن تراجع برامج المساعدات الغذائية أو توقفها بسبب أزمات التمويل يضع مئات الآلاف أمام معادلة قاسية، تتمثل في تضاعف الاحتياجات وتناقص الموارد وضيق أبواب النجاة.
وأضافت أن اجتماع نقص التمويل مع القيود المفروضة على دخول الغذاء وتوزيعه يحوّل الأزمة من عجز إغاثي إلى اختناق غذائي مركّب، تتشابك فيه العوامل السياسية والاقتصادية والإنسانية.
وأكدت أن الاحتلال الذي يحاصر الغذاء يرتكب جريمة، وأن التاجر الذي يحتكر قوت الجائع يشارك في تعميق المأساة، فيما يمنح الصمت الذي يتركهما بلا مساءلة التجويع عمرًا إضافيًا.
حق إنساني
بدوره، حذّر مركز حماية لحقوق الإنسان من تداعيات وقف المساعدات الغذائية عن نحو نصف مليون إنسان في قطاع غزة بذريعة "نقص التمويل"، مؤكدًا أن المجتمع الدولي مطالب بتحمل مسؤولياته القانونية والإنسانية والأخلاقية تجاه الغزيين الذين يواجهون كارثة إنسانية متفاقمة بفعل حرب الإبادة.
وأكد المركز أن الغذاء ليس منحة مشروطة، ولا امتيازًا قابلًا للسحب والتعطيل والتأخير، بل هو حق إنساني أساسي لا يجوز المساس به أو إخضاعه لحسابات التمويل وأولويات المانحين.
وأوضح أن ترك نصف مليون غزي دون مساعدات غذائية كافية، في ظل الأوضاع الإنسانية الكارثية التي يعيشها قطاع غزة، ينذر بتفاقم الجوع وسوء التغذية، ويهدد حياة الفئات الأكثر ضعفًا، لا سيما الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى والنازحين.
ودعا المركز إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة وسريعة ودون عوائق أو شروط أو اعتبارات إلى جميع المحتاجين في قطاع غزة، وتوفير الظروف اللازمة لعمل المنظمات الإنسانية وحماية العاملين فيها.