شلّ الحصار العسكري المفروض على مدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية المحتلة، جوانب واسعة من الحياة اليومية، بعدما دفعت قوات الاحتلال عائلات فلسطينية إلى مغادرة منازلها تحت تهديد السلاح، وأغلقت طرقًا ومداخل رئيسية، ووسّعت عمليات المداهمة والهدم والاستيلاء على الممتلكات، في إطار حملة عسكرية أعقبت عملية إطلاق نار أسفرت عن مقتل جنديين "إسرائيليين".
وتشير تقديرات محلية إلى أن نحو 250 عائلة أُجبرت على إخلاء منازلها في منطقتي فرش الهوى وأبو كتيلة، فيما طالت عمليات الإخلاء عشرات المواطنين في منطقتي الجلدة وعين دير بحة، بالتزامن مع ورود تقارير عن تهديد مئات العائلات الأخرى بإخلاء منازلها.
ولا تزال الأعداد النهائية للعائلات التي غادرت مساكنها غير واضحة، في ظل استمرار العملية العسكرية واتساع نطاق الإجراءات الميدانية، وما يرافقها من قيود على حركة السكان وإخراج الممتلكات.
تحت تهديد السلاح
أُجبرت عائلات فلسطينية على مغادرة منازلها خلال ساعات الفجر، مع منحها وقتًا محدودًا لجمع بعض احتياجاتها الشخصية، وفق إفادات وتقارير محلية. ولم تقتصر القيود على سرعة الإخلاء، بل شملت ما يُسمح للسكان بحمله معهم، إذ أفادت التقارير بالسماح لعائلات في مناطق من الخليل بأخذ حقيبة ملابس واحدة فقط، مع منعها من اصطحاب مركباتها وإخراج ممتلكاتها.
وبذلك، وجدت عائلات نفسها مضطرة إلى مغادرة مساكنها على عجل، تاركة وراءها الأثاث والمقتنيات الشخصية وممتلكات أخرى، فيما تواصلت المداهمات والتفتيشات في الأحياء المستهدفة.
وفي منطقتي الجلدة وعين دير بحة، اقتحمت قوات الاحتلال الأحياء السكنية بمشاركة آليات عسكرية وجرافات، وأجبرت عائلات على الخروج من منازلها، بينما احتجزت عشرات المواطنين وأخضعتهم لتحقيقات ميدانية، قبل الإفراج عن عدد منهم.
وقال مختار آل التميمي في الخليل، الحاج حجازي شاور التميمي، إن قوات الاحتلال أجبرت السكان على إخلاء المنطقة التي يقيم فيها، مشيرًا إلى أنها تضم نحو 350 ألف مواطن، أي ما يعادل ثلث سكان الخليل، وفق تقديراته.
وأوضح التميمي أن العائلات مُنحت مهلة قصيرة للغاية للمغادرة، ولم يُسمح لها سوى بحمل بعض الحقائب والأوراق الثبوتية، مضيفًا أن السكان اضطروا إلى الخروج تحت تهديد السلاح، وتعرض بعضهم للضرب لإجبارهم على الإخلاء.
ووصف التميمي ما يجري بأنه نزوح قسري لم يكن يتخيل حدوثه طوال حياته، معتبرًا أن الإجراءات المتخذة بحق أهالي الخليل تمثل عقابًا جماعيًا وانتقامًا من السكان، بذريعة انحدار منفذي عملية إطلاق النار من المدينة.
ودعا إلى عدم تحميل السكان تبعات أفعال لم يرتكبوها، بدلًا من مواصلة السياسات التي تطال العائلات ومساكنها وممتلكاتها.
ثكنات عسكرية
وامتدت الإجراءات العسكرية إلى هدم مبانٍ سكنية وتجارية وصناعية، والاستيلاء على منازل فلسطينية وتحويلها إلى مواقع عسكرية، بالتزامن مع استمرار عمليات الإخلاء والتفتيش في مناطق مختلفة من المدينة.
وفي منطقة فرش الهوى، هدمت قوات الاحتلال عمارة سكنية تضم ثلاث شقق، وأغلقت المدخل الرئيسي للمنطقة. كما تحدث سكان عن إخلاءات طالت منازل ومحال ومنشآت تجارية وصناعية، ما دفع أصحابها إلى محاولة نقل بضائعهم وممتلكاتهم خشية فقدانها نتيجة الهدم أو الاستيلاء عليها.
واستولت قوات الاحتلال على منازل في أحياء مختلفة، وحولتها إلى ثكنات ومقار عسكرية، ورفعت الأعلام "الإسرائيلية" فوق أسطحها، في وقت تواصلت فيه المداهمات وعمليات التفتيش داخل الأحياء والمناطق المحيطة.
وسبق ذلك هدم مبنى سكني من ثلاثة طوابق يعود لعائلة أمريش قرب موقع عملية إطلاق النار، الجمعة، بعدما أُخلي سكانه قسرًا قبل الهدم بوقت قصير. وأفادت تقارير بأن إخطار الهدم صدر قبل أشهر، بذريعة البناء دون ترخيص.
وتتزامن عمليات الهدم مع مخاوف العائلات من فقدان مساكنها بصورة نهائية، خصوصًا في ظل الاستيلاء على بعض المنازل واستخدامها لأغراض عسكرية، وعدم وضوح موعد انتهاء العملية أو إمكانية عودة السكان إلى الأحياء التي أُجبروا على مغادرتها.
ومنذ عصر الجمعة، أغلقت قوات الاحتلال مداخل مدينة الخليل وطرقًا رئيسية تربطها بالبلدات والقرى والمخيمات المجاورة، مع انتشار مكثف للآليات العسكرية وإقامة الحواجز، ما أعاق حركة الدخول والخروج وأدى إلى تكدس المركبات وتعطيل تنقل المواطنين.
وقال رئيس بلدية الخليل، يوسف الجعبري، إن المدينة محاصرة بعشرات الآليات والمدرعات العسكرية، مشيرًا إلى أن قوات الاحتلال تمنع حركة الدخول والخروج، وتنفذ عمليات هدم واسعة للمنازل والمتاجر باستخدام عشرات الجرافات.
وأدى الإغلاق إلى توقف جوانب واسعة من الحركة التجارية والاقتصادية، فيما واجه المواطنون صعوبات في الوصول إلى وجهاتهم المعتادة والخدمات الأساسية، واضطر بعضهم إلى ترك مركباتهم ومواصلة الطريق سيرًا على الأقدام.
وطالت تداعيات الإغلاق المرضى والأطفال، إذ اضطرت طفلة تبلغ 11 عامًا، مصابة بمرض السرطان، إلى عبور بوابة مغلقة سيرًا على الأقدام لمواصلة رحلتها إلى موعد طبي في مستشفى دورا، بعدما تعذر وصولها بالسيارة.
وتُظهر هذه الواقعة جانبًا من أثر القيود العسكرية على الحياة اليومية، حيث تحولت الطرق المغلقة إلى عائق أمام وصول المرضى إلى الرعاية الطبية، فضلًا عن الصعوبات التي يواجهها السكان في التنقل وتأمين احتياجاتهم الأساسية.
وفي سياق متصل، اعتقلت قوات الاحتلال 13 فلسطينيًا على الأقل في محافظة الخليل، واحتجزت عشرات آخرين وأخضعتهم لتحقيقات ميدانية، بالتزامن مع استمرار الاقتحامات في بلدات ومناطق أخرى من الضفة الغربية المحتلة.
إيواء النازحين
ومع اتساع نطاق الإخلاء، أعلنت بلدية الخليل تفعيل خطة طوارئ لمساعدة العائلات التي أُجبرت على مغادرة منازلها، والسكان العالقين بسبب إغلاق الطرق، وبدأت جهودًا لتوفير أماكن استقبال وإيواء مؤقتة.
كما فتحت عائلات فلسطينية منازلها لاستقبال عائلات أخرى، في محاولة لتوفير مأوى لمن فقدوا القدرة على البقاء في مساكنهم أو الوصول إليها.
لكن استمرار العملية العسكرية يترك العائلات النازحة أمام أسئلة بشأن مصير منازلها وممتلكاتها، خصوصًا في المناطق التي تشهد عمليات هدم أو استيلاء على المساكن وتحويلها إلى مواقع عسكرية.
وتضاف إلى ذلك الخسائر التي يتكبدها أصحاب المحال والمنشآت التجارية والصناعية، في ظل تعطل الأعمال وصعوبة نقل البضائع والوصول إلى أماكن العمل، إلى جانب القيود التي تطال حركة المواطنين والخدمات الأساسية.
وجاءت الحملة العسكرية عقب عملية إطلاق نار استهدفت موقعًا عسكريًا "إسرائيليًا" في محيط الخليل، صباح الجمعة، وأسفرت، وفق المعلومات الواردة في التقارير، عن مقتل جنديين "إسرائيليين" وإصابة عدد آخر من الجنود، فيما استشهد منفذا العملية برصاص قوات الاحتلال.
وتباينت التقارير بشأن عدد الجنود المصابين؛ إذ أشارت تقارير إلى إصابة ثلاثة، فيما ذكرت أخرى إصابة أربعة. كما أفادت مصادر محلية باندلاع اشتباك مسلح استمر نحو عشرين دقيقة قبل استشهاد الشابين.
وعقب العملية، أعلنت قوات الاحتلال بدء حملة عسكرية في المنطقة التي انطلق منها المنفذان، شملت مداهمة المنازل وتفتيشها وإجراء تحقيقات ميدانية، إلى جانب تشديد الطوق العسكري وفرض قيود على حركة المواطنين.
كما أعلنت قوات الاحتلال أن العملية العسكرية قد تستمر عدة أيام، وترافقت الإجراءات الميدانية مع تهديدات بإخلاء أحياء سكنية وهدم مبانٍ قالت سلطات الاحتلال إنها مرتبطة بالهجوم.
غير أن الإجراءات الميدانية لم تقتصر على ملاحقة المشتبه بهم وتفتيش المنازل، بل شملت إخلاء عائلات من مساكنها، وهدم منشآت، والاستيلاء على منازل وتحويلها إلى مواقع عسكرية، فضلًا عن إغلاق مداخل وطرق رئيسية وتعطيل الحياة اليومية في مناطق واسعة من المحافظة.
وامتدت المداهمات، بالتزامن مع العملية في الخليل، إلى 26 موقعًا في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية المحتلة، شملت مدنًا وبلدات ومخيمات للاجئين، وسط حملات دهم وتفتيش واعتقال.
ومع استمرار الحصار والإخلاءات والهدم، تبقى العائلات التي غادرت منازلها أمام مصير غير واضح، بين انتظار انتهاء العملية العسكرية والأمل في العودة إلى مساكنها، والخشية من أن تجدها مهدمة أو مستولى عليها، فيما تتواصل جهود الإيواء في ظل قيود تعرقل الحركة وتزيد الأعباء المعيشية على سكان الخليل.