أعلن رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، خالد مشعل، في ندوة "التحولات في الحركات الإسلامية" التي نظمها مركز الجزيرة للدراسات، مساء السبت، في العاصمة القطرية الدوحة، أن الحركة ستجري العام القادم انتخابات لاختيار رئيس جديد للمكتب السياسي، مشيرا إلى أنه سيكون الرئيس السابق لحركة حماس.
مشعل في تلك الكلمة وضع إصبعه على الجرح وتطرق إلى نقاط هامة للغاية تدل على وعيه الكبير ونضجه السياسي وتجاربه العميقة التي تراكمت لديه طوال السنين التي قضاها في مواجهة تحديات جسيمة ومقاومة الاحتلال الصهيوني. ومما لا شك فيه أن أبا الوليد مكسب كبير، ليس لحركة حماس فحسب، بل لكل الحركات والأحزاب الإسلامية، ولا بد من الاستفادة من خبراته القيمة كأحد حكماء الإسلاميين حتى بعد انتهاء رئاسته للمكتب السياسي لحركة حماس.
استوقفني في كلمة خالد مشعل ما ذكره حول ضرورة الشراكة مع القوى الأخرى في حكم البلاد، حيث قال إن امتلاك الأغلبية في الانتخابات أمر مهم ولكنه لا يكفي للزهد في الشراكة السياسية، مشددا على أن نظرية البديل نظرية خاطئة، وأن الصواب هو الشراكة والتوافق لأن تعقيدات الواقع أكبر مما تظن الحركة الإسلامية، وأكبر من أن يقدر على معالجتها تيار أو حركة وحدها.
ما ذكره أبو الوليد حول الشراكة الوطنية كلام جميل، ولكنه مطلب أمامه عوائق عديدة وإشكاليات يصعب تجاوزها. ولعل أهم هذه العوائق عدم وجود حركات وأحزاب تقبل هذه الشراكة، لأن الشراكة لا تتم إلا بطرفين أو أكثر، ولا يكفي أن يكون أحد تلك الأطراف راغبا في الشراكة في ظل رفض الأطراف الأخرى.
إن كان الطرف الآخر غير مستعد للشراكة أو لا يرغب فيها كثيرا يضع أمام الطرف الذي يطالب بالشراكة ثمنا باهظا لهذه الشراكة أو يقدم شروطا تعجيزية تحول الشراكة والتوافق إلى مجرد الخنوع والاستسلام.
حركة حماس منذ سنين تطالب بإتمام المصالحة الفلسطينية على أساس الشراكة الوطنية، ولكن المصالحة لم تتم حتى الآن على الرغم من كل التنازلات المقدمة والجهود المبذولة، لأن العقلية المسيطرة حاليا على حركة فتح والسلطة الفلسطينية لا تؤمن بالديمقراطية ولا الشراكة الوطنية ولا التبادل السلمي للسلطة، بل تؤمن بالإقصاء والانفراد بالقرار، لأنها كبقية الأنظمة الدكتاتورية القمعية ترى السلطة امتيازات لا تريد أن تفقدها حتى ولو كان ثمن ذلك ضياع مصالح الوطن وحاضره ومستقبله. برأيي أن تلك العقلية لن تقبل الشراكة مع حماس حتى لو اعترفت الأخيرة بشروط الرباعية وجميع الاتفاقيات التي وقعت عليها منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية.
لدينا أيضا تجارب مع مسألة الشراكة والتوافق مررنا بها في تركيا. ولعل تجربة حزب العدالة والتنمية بعد الانتخابات البرلمانية التي أجريت في السابع من يونيو / حزيران عام 2015 أقرب مثال لتلك التجارب، حيث لم يحصل أي من الأحزاب السياسية على الأغلبية التي تمكنه من تشكيل الحكومة وحده، وطرق آنذاك أحمد داود أوغلو بصفته رئيس الحزب الذي حل في المرتبة الأولى في الانتخابات أبواب حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية بحثا عن شراكة سياسية لتشكيل الحكومة وإخراج البلاد من حالة الغموض، إلا أن جميع مساعيه باءت بالفشل. ولما تعذر تشكيل حكومة ائتلافية تم اللجوء إلى خيار آخر وهو التحاكم إلى الشعب مرة أخرى وانتهت الأزمة السياسية.
ما دفعني للتعليق على ما ورد في كلمة مشعل هو أن الحديث عن الشراكة الوطنية بعد تجربة حماس في قطاع غزة وتجربة النهضة في تونس وإسقاط الرئيس المنتخب محمد مرسي في مصر بانقلاب عسكري، بدأ يأخذ منحى آخر لينزلق نحو تقديس الشراكة الوطنية واعتبارها الخيار الوحيد المتاح أمام الجميع. وهذا اعتقاد خاطئ. لأن الشراكة الوطنية قد تكون ضرورية في حالات وتكون في أخرى أفضل الخيارات، إلا أنها بالتأكيد حالات استثنائية، لأن الأصل في الديمقراطية أن تحكم الأغلبية التي يفوضها الشعب عبر صناديق الاقتراع، في إطار الدستور والقوانين.