غزة – وسام البردويل
بعد حفاوة استقبال المملكة العربية السعودية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعقد عديد الصفقات بمبالغ طائلة بلغت الـ 400 مليار دولار أو يزيد، كان الاجتماع مع القادة العرب لوضع حد لمكافحة الإرهاب في العالم.
ووفقا للتصريحات الصحفية التي صدرت عن الرئيس الأمريكي عندما طرح فكرة مكافحة الإرهاب أشار القادة العرب أصابع الاتهام إلى قطر، لتبدأ الخطوات سريعا في تنفيذ مخرجات الاجتماع في ظل الدعم الأمريكي لها.
فسارعت كلا من السعودية والامارات والبحرين ومصر لإجراء خطوات تقودها نحو قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر بتهمة دعم الإرهاب، الأمر التي نفته الأخيرة.
فكانت شرارة البداية باختراق وكالة الأنباء القطرية الرسمية، ونسب تصريحات مفبركة للأمير القطري تميم بن حمد، وبالرغم من صدور بيان يؤكد اختراق وكالة الأنباء، إلا أن وسائل الاعلام التابعة لتلك الدول استمرت في نشرها.
وفي فجر الخامس من حزيران الماضي أعلنت كلا من السعودية والامارات والبحرين ومصر بقطع علاقاتها الدبلوماسية واغلاق المنافذ البرية والبحرية أمامها، ليبدأ الحصار لتنفيذ مطالب تلك الدول والتدخل في سياسة قطر الداعمة للإرهاب على حد زعم تلك الدول.
وقدمت دول الحصار 13 مطلبا لإنهاء احصار، كان أبرزها إغلاق قناة الجزيرة ووقف العلاقات مع إيران والتوقف عن دعم الاخوان المسلمين، ما اعتبرته قطر غير واقعي وغير قابل للتنفيذ.
من جانبه قال الكاتب المغربي محمد بنيس إن بلدان الحصار قد جسّت نبض الدوائر المؤثرة في القرار الدولي، بغاية الحصول على ''ضوءٍ أخضر ما'' يسمح لها بتنفيذ أولى سيناريوهاتها، وهو التدخل العسكري في قطر.
وأضاف بنيس أن هذا السيناريو مستحيلاً مع الإقرار الأميركي بصعوبة تنفيذ مطالبها، وصلابة موقف الأتراك بشأن قاعدتهم العسكرية في قطر، ما يعني أن صنّاع القرار في هذه البلدان لم يقرأوا جيداً التجاذبات الحاصلة في المنطقة، فاستمرارُ طهران في إدارة نفوذها المذهبي والسياسي بغير قليلٍ من الفاعلية، وتقاربُها الدال مع أنقرة، وغموضُ الموقف العسكري في اليمن، وإدارة الروس الجيدة تحالفاتهم الإقليمية في ضوء تحولات الحرب السورية، ذلك كله يعكس قصوراً استراتيجياً واضحاً لدى هذه البلدان، في إدراك قوة الفاعلين الآخرين ونفوذهم.
وتابع" استعادةُ الروس جزءاً من أوراقهم في المنطقة، بعد أعوام طويلة من الانكماش الذي سببه تفكك الاتحاد السوفييتي البائد، تؤشر على توازناتٍ جديدة لم تأخذها في الحسبان البلدان الأربعة، ما يجعل الأزمة تدخل طوراً جديداً، قد تتحوّل معه إلى عبء سياسي يرهق كاهلها، لا سيما في ظل مؤشرات أخرى لا تقل أهميةً ودلالة".
ولفت الكاتب المغربي إلى أن حين تحظى السعودية والبحرين بنصيبٍ غير يسير من الانتقاد في تقرير الخارجية الأميركية بشأن الحريات الدينية في العالم، فذلك لا يمكن أن يمر مرور الكرام، خصوصاً أن التقارير التي تصدرها واشنطن غالباً ما تحكمها حسابات سياسية. لذلك، لا يُستبعد أن يندرج انتقاد هذه الحريات في البلدين ضمن منظور أميركي محتمل لحلحلة هذه الأزمة على المدى القريب.
وأردف بنيس" مؤشرٌ ثانٍ لا يخلو أيضاً من دلالة، ويتعلق بطلب السعودية وساطة عراقية لدى إيران للتخفيف من حدّة التوتر معها. وعلى الرغم من أن الرياض نفت الأمر، إلا أن تأكيد وزير الداخلية العراقي، قاسم الأعرجي، الأمر يثير، فعلاً، تساؤلات بشأن صفقة سياسية كبرى محتملة بين البلدين، خصوصاً في ضوء التطورات الميدانية أخيراً في اليمن، والمخاوف السعودية المتصاعدة من تشكل محور تركي إيراني قطري، يربك حساباتها ويخلط الأوراق أكثر في المنطقة".
وأشار إلى أن المؤشرات، مجتمعةً، فقط تحولاتٍ واضحةً في مسار الأزمة، بل تعكس، أيضاً، إخفاق هذه البلدان في إحداث حالة سياسية ودبلوماسية تقلص هوامش المناورة أمام الدوحة. فما يحدث يجعل الأمور تنحو في الاتجاه المعاكس، حيث تتسع هذه الهوامش أمامها، بما يتيح لها أن تستخلص عائدات الأزمة إقليمياً ودولياً، بعد أن نجحت في الحد من فاعلية المطالب المقدّمة دبلوماسياً وسياسياً، وهو ما يبدو أن العواصم الأربع لا تنتبه إليه جيداً، في ضوء فقدان هذه المطالب الزخم السياسي والإعلامي الذي واكبها إبّان اندلاع الأزمة.
وأوضح الكاتب المغربي سيرورة الحصار المفروض على قطر لا تكتسي دلالاتها، إلا بوضعها ضمن مشهد إقليمي تختلط فيه الأوراق، وتُعاد فيه الاصطفافات والتحالفات، فإخفاقُ السعودية والإمارات والبحرين ومصر في حصر قطر في زاوية ضيقة ليس نهاية المشكلة. فحين يخسر طرفٌ بعض أوراقه في صراعٍ إقليمي، فذلك سيؤثر، بالتأكيد، على قدرته على الحفاظ على مواقعه في ميزان القوى والتحكّم في تحالفاته، الأمر الذي يبدو واضحاً في الأزمة الراهنة.
وختم نجحت الاستراتيجية القطرية في رهاناتٍ صعبة، أبرزها استبعادُ الخيار العسكري من أجندة بلدان الحصار، والحفاظُ على هامش معقول للمناورة، واستثمارُ تجاذبات الأزمة لصالحها. لكن هذه الاستراتيجية باتت، اليوم، في حاجةٍ إلى مداخل جديدة، تنصبّ، بالأساس، على تحديث مؤسساتها وهياكلها السياسية والقانونية، وتوسيع هامش الحقوق والحريات، وضخ مزيدٍ من جرعات الحداثة في بنياتها الاجتماعية والثقافية، بما يمكن أن يتحوّل، مع الوقت، إلى عامل مؤثرٍ وفاعلٍ في تفكيك قلاع التقليد الحصينة في منطقة الخليج.