بقلم الكاتب والمحلل السياسي: محمود مرداوي
الوقت المناسب وفق فهمنا للبيئة التي تراعي طبخ قرار الحرب والسلم في دولة الاحتلال وإدراك محدداتها وقيودها يجعل من الوقت المناسب مصطلحاً مناسباً ومضموناً يُرجى الانتباه لتحديد زمانه بناءً على قراءة تقتضي منتهى الدقة والتوازن في العصر الحديث عصر الميديا التي تُجبر الاحتلال لإجراءات مكلفة وخطرة من أجل الحصول على صورة النصر تعويضاً عن مجهودها الكبير في العمليات العسكرية التي يتخللها قتل وهدم وتدمير.
إن معايير الماضي في الحكم على إدارة الأمور ومجريات الأحداث المشابهة لما يجري في غزة في الوقت الحاضر قاصرة ولا تصلح، وإن ضوابط الحرب والسلم تنبني على البيئة الضرورية لاتخاذ قرار الحرب وفق المحددات والقيود لدى الاحتلال.
السؤال: هل نتج عن معايير نشوء البيئة لاتخاذ قرار الحرب في دولة الاحتلال وضع المقاومة ومستواها، أم العكس؟
ضوابط الحرب والسلم تنبني على البيئة الضرورية لاتخاذ قرار الحرب وفق المحددات والقيود لدى الاحتلال.
إن الوضع الذي وصلت إليه المقاومة من قوة وعدة واستعداد أوجد لدى الاحتلال بيئة يجب أن تتوفر حتى يتخذ قرار الحرب، وهذه البيئة محكومة بمحددات وقيود.
والحرب عندما تندلع تخضع لضوابط، وكلمة السر في هذه المعادلة البيئة الداخلية، والبيئة الإقليمية والدولية، وكل هذه الأضلع التي تشكل في تفصيلها البيئة والمحددات والقيود والضوابط تُتوج بسؤال المليون: ماذا بعد الحرب؟
وما الذي ستقدمه القيادة السياسية والعسكرية للجمهور من إنجازات مقرونة باليوم التالي للمؤتمر الذي يعقدوه بما سيحدث على الأرض وفِي الميدان وسيتأثر به (غلاف غزة) والمدن (الإسرائيلية) في الجنوب؟ وما هي الأولويات والإجراءات؟ هل ستتغير؟ وهل المناخ سيختلف؟
إن قرار الحرب ليس خياراً ممكناً لدى العدو يستطيع استخدامه أو اتخاذه غير آبه بموقف المقاومة، غير أن المقاومة من غير الحكمة أن تجعل قرار الحرب من العدو استدراكاً إلا إذا كان مدروساً ويحقق أهدافاً سياسية ومادية للشعب الفلسطيني تتعدى الجانب المعنوي والدعائي.
إن حرباً إذا اندلعت ستكلف الشعب الفلسطيني آلافا مؤلفة من الشهداء وهدم وتدمير، وتحمله مسؤوليتها أمام المجتمع الدولي وأمام الشعب الفلسطيني بما ستحققه من مصالح ومكاسب سياسية جديرة أن تُحسب وفق المعايير المؤثرة في اتخاذ القرار مبدوءة بقبول وموافقة الشعب عليها، واعتقاد المقاومة أنها ستقدمها وتحقق جزءاً مهماً من أهدافها السياسية المرحلية، وأن اليئة الإقليمية والدولية مناسبةً بالحد الأدنى وفِي إطار ما هو ممكن لها، وهذا يقتضي أن تكون المبررات للحرب منطقية حتى تتمكن الدول المحايدة والتي تميل لصالح الموقف الفلسطيني من الدفاع عنا في المؤسسات الدولية، وهذا أمر لا يستهان فيه، ولا يجب التغاضي عنه لما يترتب عليه من مخاطر على مصير الشعب وأمنه جراء استخدام العدو وسائل قتالية لا تتوافق مع القانون الدولي.
إن المجتمع (الإسرائيلي)أصبح مركباً من مركبات العقيدة العسكرية، ولا يمكن أن تتم حرب استباقية أو وقائية من العدو دون أن يكون مستعداً وجاهزاً لدفع ثمنها، وهذا يتعذر على العدو تحقيقه بذاته، لذا يبادر في استفزاز الفلسطينيين لدفعهم للتصرف بما يحقق لهم هذا المركب عندما يتخذوا إجراءات تساهم في جعل الحرب أمراً ما ليس منه بد.
أمام هذا التشخيص لاستخدام مصطلح الوقت المناسب بما تؤثر عليه قراءة الرأي العام الدولي نستطيع أن نحدد متى يكون الرأي الدولي مهماً وفاعلاً، ومتى يكون ضعيفاً وشبه غائب، ولنا فيما يجري في الضفة الغربية وغزة خير دليل ومثال على ذلك.
الرأي العام في الغالب يتعاطف مع الموقف الفلسطيني في الضفة الغربية ويكرر شجبه ورفضه لسياسة حكومة الاحتلال، لكن غياب الأدوات والإمكانات التي توجع العدو، وتجعله يصرخ بصوت مدوٍّ يصل صداه للأمم المتحدة ومجلس الأمن والبيت الأبيض لا تمنعه من الاستمرار بتهويد القدس وتقسيمها زمانياً ومكانياً وجغرافياً وديموغرافياً، وتقطيع الضفة وفصل ريفها عن مدنها، وتستمر حكومة الظل في بيت إيل في إجراءات تقليص نفوذ السلطة وتقليص حركة الضباط وإيقاف تصاريحهم وتفتيش سياراتهم واستفزازهم، وتقوم بسحب المزيد من الصلاحيات الحيوية من السلطة وتقليص دورها إلى ما هو أقل من الحكم الذاتي، إلى درجة وصلت بها لإغلاق مؤسسات في قلب المدن الفلسطينية من مطابع ومحال تجارية ومكاتب إعلامية ومحطات إذاعية وتلفزة، وتعتقل صحفيين وكتاب ومعلقين من النشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا بمجمله يشكل تدخلاً مباشراً من حكومة الظل التي يقودها منسق شؤون المناطق، وعودة لدور الرقيب العسكري بشكل جديد للإشراف على وسائل الإعلام الفلسطينية.
المصالحة الفلسطينية تشكل حالة ضرورية لتصليب الموقف السياسي داخلياً وتمتين الحالة الميدانية عسكرياً، وتوحيد الرؤية والرواية دولياً، وهي فرصة لمنع سقوط الضفة نهائياً في يد دولة الظل والمستوطنين
وبذلك تُرسخ دولة الاحتلال بعد فشل المفاوضات حلاًّ سياسياً على الأرض، وتحصر دور السلطة بأشبه ما يكون إلى سلطات بلدية، بينما في غزة الرأي العام يهاجم المقاومة في الغالب ويتفهم دولة الاحتلال لكنه يتمنى عليها رفع الحصار وهي لا تفعل ذلك، لكنها لا تتمكن من تغيير أي شيء في الواقع، لأنها ليست مطلقة اليد ولا تمثل اللاعب الوحيد في الساحة، والحرب الأخيرة أثبتت ذلك.
من هذه النقطة وبناءً على هذا الفهم نرى بأن تكامل الحالة الفلسطينية في الوضع الراهن حياة وموت، فلنسرع خطانا في مسار الحياة وطريق المستقبل والبناء ونردم طريق الموت والعقم والاختلاف.
إن المصالحة الفلسطينية تشكل حالة ضرورية لتصليب الموقف السياسي داخلياً وتمتين الحالة الميدانية عسكرياً، وتوحيد الرؤية والرواية دولياً، وهي فرصة لمنع سقوط الضفة نهائياً في يد دولة الظل والمستوطنين، واعتراض تهويد القدس وتزوير معالمها، والجريمة الآثمة تحتاج لرد ورد يوازيها، لكن لا يعترض مسار المصالح الفلسطينية العليا، والردود تأتي لتقدم نفسها دون أن يُحْكى عنها، وهي واجب على الجميع أخلاقياً وثورياً، وستصبح في قادم الأيام وطنياً وبشكل رسمي، هذا ما نأمله ونسعى لتحقيقه، وهو أقل القليل ولا يجوز لأحد التبخيس به والتقليل من قيمته.