في غمرة الهدوء الذي ساد في قطاع غزة عقب التصعيد الأخير، اخترق صمت الأجواء تهديدات لمسؤولين إسرائيليين، صباح اليوم الأربعاء، بشن حرب شاملة جديدة على القطاع، وذلك خلال مؤتمر لصحيفة "جيروزاليم بوست".
حيث قال وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي جلعاد أردان، إن "إسرائيل تقترب من احتلال قطاع غزة"، فيما هدد وزير الاستيطان الإسرائيلي يوآف غالانت، قائد حركة حماس في غزة، يحيى السنوار، بأن "زمنه سينتهي وأن الحرب هي الخيار الأخير"، إضافة إلى تهديد وزير المواصلات الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي قال: "نحن قريبون من حرب لا بديل عنها في غزة".
تلك التهديدات تزامنت مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية العامة، والأنباء التي تحدثت عن احتمالية تبكيرها، كذلك الأزمة التي أحدثتها استقالة وزير الجيش الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان.
وأثارت تساؤلات حول توقيتها وجديّتها، والهدف منها، في ظل استمرار مباحثات التهدئة بين الفصائل الفلسطينية في غزة، و"إسرائيل"، بوساطة مصرية، كذلك في ظل تركيز الإعلام الإسرائيلي اهتمامه في الآونة الأخيرة نحو الجبهة الشمالية، الأمر الذي قال عنه البعض إنه بغرض التضليل، وأن "إسرائيل" تبيّت النية لشن حرب مفاجئة على غزة.
"استعراضٌ للعضلات"
المختص بالشأن الإسرائيلي، محمد أبو علان، اعتبر أن التهديدات الإسرائيلية هي مجرد "استعراض للعضلات"، مستبعداً أن تدخل "إسرائيل" في حرب شاملة مع قطاع غزة قبل انتهاء بناء الجدار المسلح تحت الأرض، المضادة للأنفاق على حدود القطاع.
وقال أبو علان، إن "إسرائيل تعلم أنه لا يوجد حلٌّ عسكري مع غزة، وأنها إذا ما شنت حرباً عليها فإنها ستدمر المنازل وتقتل المدنيين ثم تعود لنفس النقطة ولن تستطيع تحقيق أي شيء على المستوى العسكري".
واعتبر أبو علان أن أكثر ما يشغل بال "إسرائيل" في المرحلة الحالية هو التواجد الإيراني في سوريا، و"حزب الله" في لبنان، وهي تركز جهودها على منع تطوير أسلحة "حزب الله" ومنع وصول الصواريخ الإيرانية إليه.
من جهته أكد المختص في الشأن الإسرائيلي، عبد الحميد صبرة أن "إسرائيل" لا ترغب في شن حربٍ شاملة على قطاع غزة، ولا حتى على لبنان.
واعتبر صبرة، خلال اتصال معه أن "تهديد الوزراء الإسرائيليين لقائد حركة حماس في غزة يحيى السنوار، يأتي في سياق استعادة الردع، وللتأكيد لجمهورهم أن قادة المقاومة غير محصنين، وليس بالضرورة تنفيذ تلك التهديدات فعلياً".
وحول التهديدات الإسرائيلية للبنان وتركيز الإعلام الإسرائيلي اهتمامه على الجبهة الشمالية، قال صبرة: إن "إسرائيل تهدد لبنان لخشيتها من تحسين مصانع الأسلحة لقدرة حزب الله الصاروخية، وهو أمر ترى أنه يستوجب التعامل معه"، مرجحاً أن تقوم "إسرائيل" بذلك.
ومن وجهة نظر صبرة، فإن "إسرائيل تستعد لضرب مصانع الأسلحة في لبنان، لكنها لا ترغب في حرب شاملة بسبب تكاليفها، ويظل تطور الحدث مرتبطاً برد حزب الله".
وأشار صبرة، إلى أن أفضل ما يمكن أن تفعله "إسرائيل" مع قطاع غزة، هو استكمال التفاهمات وجلب الهدوء الفعلي لسكان الجنوب.
"وبالرغم من غضب مستوطني غلاف غزة، لكنهم سيشعرون بالراحة حين تعود حياتهم للهدوء، حتى لو كان ذلك عبر تخفيف الحصار عن قطاع غزة"، وفق عبد الحميد صبرة.
من منظورٍ دعائي
وبالنظر إلى تهديدات الوزراء الإسرائيليين الأخيرة لغزة، من منظور دعائي، أشار الباحث في قضايا الإعلام السياسي والدعاية، حيدر المصَدّر، إلى أن هناك قراءات دعائية عديدة لتلك التصريحات.
وقال المصدّر إنه "على صعيد الجبهة الداخلية الإسرائيلية، فإن التهديدات تمنح المستوطن العادي الغاضب من أداء حكومة بنيامين نتنياهو، شعوراً بأن الحكومة الإسرائيلية تعمل على استعادة الردع وزمام المبادرة، وأنها تمتلك الكلمة العليا والفصل في مسألة غزة".
أما على صعيد الجبهة الفلسطينية، من وجهة نظر المصدّر، "فهي تحمل رسالة ردع وتخويف من مغبة استفزاز إسرائيل في هذا الوقت، وأن الحكومة مستعدة لتجاوز كل الخيارات المُستثناة والمؤجلة في سبيل تحقيق أهدافها".
"وربما تحمل التهديدات ببعدها الضمني أهدافاً من قبيل التحكم وضبط سلوك غزة في اللحظة الراهنة، وقد تشي بأن زمام المبادرة بات بيد إسرائيل حالياً، الأمر الذي يقلص هامش المناورة لدى غزة"، وفق المصدّر.
واعتبر الباحث في قضايا الإعلام السياسي والدعاية، حيدر المصَدّر، أن تلك التهديدات تهدف إلى "احتواء الغضب الداخلي في إسرائيل، إضافة إلى احتواء سلوك غزة حالياً، وتؤكد أن الحكومة الإسرائيلية غير مقيدة، وحرّةُ التصرف بما تراه مناسباً لأمن ومصلحة إسرائيلية.
ثلاثُ تأويلات
وفي السياق، قال المختص بالشأن الإسرائيلي، صالح النعامي، إن التهديدات الإسرائيلية لغزة، تحمل ثلاث تأويلات.
وأوضح النعامي في منشور له على صفحته بموقع "فيسبوك"، أن التأويل الأول هو أن "إسرائيل جادةٌ في تنفيذ عمل عسكري في غزة لرد الاعتبار".
في حين أن التأويل الثاني من وجهة نظر النعامي، هو أن "إسرائيل تهدف فقط لردع حماس وإجبارها على ضبط الأمور وضمان عدم حدوث عملٍ يستدعي رداً عسكرياً لا ترغب به إسرائيل".
أما التأويل الثالث، وفق النعامي، فهو أن "تلك التهديدات تهدف إلى تضليل طرف آخر (حزب الله وإيران في سوريا) وتحذير هذين الطرفين والإيهام بأن الجبهة الشمالية ليست على رأس أولويات إسرائيل ومن ثم المباغتة بشن هجوم عسكري".
لكن الباحث في الشأن الإسرائيلي عدنان أبو عامر، كتب على صفحته بموقع "فيسبوك" أن التهديدات الإسرائيلية "جديرة بأخذها بكثير من الجدية، لاسيما وأنها صدرت بعد استقرار نسبي للحكومة، وبعد زوال شبح الانتخابات المبكرة".
ويرى مراقبون، أن تلك التهديدات ليست جديدةً على المسؤولين الإسرائيليين، فقد استخدموها من قبلُ كثيراً لأغراض الدعاية الانتخابية، لكنهم سرعان ما يطوونها فور وصولهم لموقع المسؤولية، ويلتزمون بقرارات المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابينت).ومثالاً على ذلك، زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان، الذي هدد باغتيال قائد حركة حماس إسماعيل هنية خلال 48 ساعة في حال استلم وزارة الجيش، لكنه تسلّم الوزارة ومكث فيها أكثر من سنتين، واستقال منها ولم يُنفذ أيّاً من تهديداته.
لذلك وبحسب كثيرين، فإنه ليس بالضرورة أن تُؤخذ التهديدات الإسرائيلية على محمل الجد وإحداث إرباك لدى الفلسطينيين في قطاع غزة، لكنها تستوجب الحذر، سيما وأن شيمة "إسرائيل" الغدر.