تهنئة غير المسلمين بأعيادهم.. جدل كل عام

الأحد 30 ديسمبر 2018 01:24 م بتوقيت القدس المحتلة

تهنئة غير المسلمين بأعيادهم.. جدل كل عام

بقلم: د.خالد حنفي

في مثل هذه الأيام من كل عام يتكرر السؤال عن تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، ويكثر الجدال والجدل بين المحرمين للتهنئة والمبيحين لها، ولو تعامل الجميع مع المسألة على أنها من قضايا الفروع التي يجري فيها الخلاف وأنه لا إنكار في المسائل الاجتهادية، لما كان هناك إشكال، لكن الإشكال هو عدم اعتبار رأي المبيحين أصلاً في نظر المحرِّمين، واتخاذ المسألة سبيلاً للتفسيق، والتبديع، والتشنيع، والتكفير، ومعقداً للولاء والبراء. ولا أدرى هل إثم تكفير المسلم وسبه وتحقيره أقل من إثم القول بجواز التهنئة بضابطها ودليلها؟!!

لماذا أَخذت المسألةُ تلك الأبعاد؟

اعتبارها من قضايا العقيدة؛ وعليه فمن يقول بجواز التهنئة أو يفعلها يشوِّش على عقيدته الصحيحة؛ حيث يقر النصاري على اعتقادهم في الإله المرفوض لدي المسلمين. وهذا التوجيه في منتهى الخطأ؛ لأن التهنئة بضوابطها لو كانت إقراراً لهم على معتقدهم لحُرِّم الزواج من نسائهم المتفق على إباحته بنص آية المائدة، ومن مقتضيات الزواج حصول الأولاد، ووجود مساحات قوية ودائمة للتواصل بين المسلم وعائلة زوجته غير المسلمة، وكذا إباحة الأكل من طعام أهل الكتاب يُتصور فيه الإقرار على معتقدهم بصورة أبين وأوضح من مجرد التهنئة؛ حيث إن الذبائح والأطعمة من الأمور التى تُجسِّد معالم الهوية للمسلم يوضح ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: {من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم الذي له ذمة الله ورسوله} فعطف أكل الذبائح على الصلاة واستقبال القبلة لأهميتها. وقد استقبل النبي صلى الله عليه وسلم وفداً من نصارى نجران وأذِن لهم بالصلاة في مسجده، فهل كان ذلك إقراراً منه لهم على معتقدهم؟! كما قام النبي صلى الله عليه وسلم لجنازة يهودي، فهل كان قيامه إقرارا له على معتقده؟!

استصحاب أقوال فقهية لأئمة كبار كابن تيمية وابن القيم قيلت في سياق زمني خاص وتنزيله على واقعنا اليوم، ومعلوم أن الفقيه يتأثر ببيئته وزمانه وقد كتب ابن تيمية كتابه الشهير: {اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم} والصليبيون في بيت المقدس، والتتار في بغداد، وكان واجب الوقت وقتها أن يتشدد في أحكام الأعياد والمناسبات الدينية الخاصة بهم، بخلاف ما أصبح عليه الحال اليوم خاصة في حق مسلمي أوروبا الذين يتواصلون بصورة يومية مع جيرانهم وزملائهم وأساتذتهم من غير المسلمين، وكذا تتواصل المؤسسات الدينية والمدنية مع المراكز الإسلامية ويبدأون هم بتهنئة المسلمين بأعيادهم ومشاركتهم الاحتفال بها وتغطيتها إعلامياً، فهذه الأعياد هي فرصة كبرى لإظهار القيم المشتركة بين الأديان، والإبانة عن أخوة الأنبياء، وتثبيت هوية المسلمين، والتعريف بصحيح معتقدهم في المسيح عليه السلام.

رأيتُ عدداً من المشايخ والمفتين يتشددون ويحرِّمون التهنئة ولا يوجد في بلدهم مسيحى واحد، ولم يسافروا إلى أوروبا ولم يطلعوا على واقع المسلمين في تلك المجتمعات ليفتوا لهم

على أن تحقيق القول في رأي ابن تيمية ينتهي إلى جواز التهنئة كما قال الشيخ عبدالله بن بيه:"وفي مذهب الإمام أحمد ثلاث روايات بالمنع والكراهة والجواز وهذه الرواية الأخيرة هي اختيار الشيخ تقي الدين ابن تيمية لما في ذلك من المصلحة". بل جوز ابن تيمية حضور أسواق أعيادهم ولم ير فيها إقراراً على معتقدهم فقال: "فأما ما يبيعون في الأسواق في أعيادهم فلا بأس بحضوره".

التكييف الفقهي للتهنئة، ينظر المحرِّمون للتهنئة على أنها إقرار للنصاري على صحة عقيدتهم، والواقع أن التكييف الفقهي الصحيح لتهنئة النصارى بأعيادهم اليوم لا تتجاوز المجاملة والصلة الاجتماعية لهم كما يقول الفقيه المعروف الشيخ مصطفى الزرقا:" التهنئة في نظري من قَبيل المُجاملة لهم والمحاسَنة في معاشرتهم، وإن الإسلام لا ينهانا عن مثل هذه المجاملة أو المحاسَنة لهم، ولا سيّما أنّ السيد المَسيح هو في عقيدتنا الإسلاميّة من رسل الله العِظام أولي العزم، فهو مُعظَّم عندنا أيضًا، لكنهم يُغالُون فيه فيعتقدونَه إلهًا، تعالى الله عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا. ومن يتوهَّم أنّ هذه المُعايَدةَ لهم في يوم ميلاده ـ عليه السلام ـ حَرام؛ لأنّها ذات عَلاقة بعقيدتِهم في ألوهيّته فهو مُخطئ، فليس في هذه المجامَلة أي صِلة بتفاصيلِ عقيدتِهم فيه وغُلُوِّهم فيها".

على أن احتفالات النصاري بأعياد الميلاد ليست احتفالات دينية خالصة فقد اختلط فيها الديني بالاجتماعي والترفيهي وهذه دراسة مهمة ترصد لنا واقع التدين المسيحي في ألمانيا ونظرة الألمان لأعياد الميلاد: فقد أظهر الاستطلاع -الذي أجراه معهد إلينسباخ المتخصص في قياس اتجاهات الرأي العام لحساب صحيفة فرانكفورتر الألمانية الواسعة الانتشار- أن نسبة المترددين على الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية للصلاة بين وقت وآخر تراجعت من نحو 60% خلال ستينيات القرن الماضي إلى 32% حاليا، وحسب الاستطلاع فقد تراجعت أعداد المنتسبين للكنيستين الكاثوليكية والبروتستانتية من الألمانيين من 90% من السكان عقب الحرب العالمية الثانية، إلى 72% بعد توحيد شطري البلاد الغربي والشرقي عام 1990، وتراجعت حاليا إلى 55%، كما أوضح استطلاع معهد إلينسباخ أن تراجع تأثير المسيحية يظهر في فقدان كثير من الألمان قناعتهم بأمور تعد من جوهر العقيدة المسيحية، وأشار إلى أن مقارنة القناعات الدينية للمستطلعة آراؤهم بين عامي 1986 و2017 تظهر تراجع الاعتقاد بكون المسيح عيسي بن مريم (عليهما السلام) هو "ابن الله" من 56% إلى 41%، وفي خلق الله للكون من 47% إلى 33%، وفي عقيدة التثليث من 39% إلى 25%، وفي البعث والقيامة من 38% إلى 28%. فهل لنا أن نقول بعد الوقوف على هذا الواقع أن التهنئة المجردة لهم بعيدهم هى إقرار بعقيدتهم؟

تشدد دون معرفة بالواقع: اتفق الأصوليون على أن من شروط المفتي أن يكون على علم بالواقع، وأن معرفته بالواقع لا تقل أهمية عن معرفته بالنص، وهذا الواقع لا ينقل وإنما يعاش، وقد قال ابن القيم:"المفتي الذي يفتي إنساناً قبل أن يساله من اى بلد جئت مخطيء حتى ولو أصاب" وقال أيضاً في إعلام الموقعين:"إذَا جَاءَك رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ إقْلِيمِك يَسْتَفْتِيك فَلَا تُجْرِهِ عَلَى عُرْفِ بَلَدِك، وَسَلْهُ عَنْ عُرْفِ بَلَدِهِ فَأَجْرِهِ عَلَيْهِ وَأَفْتِهِ بِهِ، دُونَ عُرْفِ بَلَدِك وَالْمَذْكُورِ فِي كُتُبِك" وقد رأيتُ عدداً من المشايخ والمفتين يتشددون ويحرِّمون التهنئة ولا يوجد في بلدهم مسيحى واحد، ولم يسافروا إلى أوروبا ولم يطلعوا على واقع المسلمين في تلك المجتمعات ليفتوا لهم، ولو علموا أن المستفيد الأكبر من التهنئة في تلك الأعياد هم المسلمون لغيروا رأيهم، أو أحالوا المسلمين على مؤسسات الفتوى في أوروبا، فهى أعرف بالواقع والأعراف والثقافات والقوانين، وهي مؤسسات عريقة تعتمد الاجتهاد الجماعي كالمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، ولا شك أن الفتوى الجماعية أقوى حجة وسنداً من الفتوى الفردية مهما بلغ علم صاحبها؛ لأنها تنظر للقضية المعروضة من جميع الزوايا وتعتمد جميع المذاهب، وهى أبعد عن التعصب أو الهوى.

إدعاء الإجماع: يُرفع الإجماعُ سيفاً مصلتاً في وجه كل مجتهد أو صاحب رأي بالإباحة في المسألة بحجة أنه خالف الإجماع، ومن العجيب أن يُدعى وجود إجماع على تحريم التهنئة دون وجود نص أو دليل واحد في المسألة فضلا عن وجود نقل صحيح معتمد عن واحد من الأئمة الأربعة، فالمسألة خلافية قديماً وحديثاً، والخلاف فيها معتبر ولا معنى لبذل الجهد وإضاعة الوقت لتحويل مسألة خلافية إلى إجماعية أو اتفاقية.

أربعة نصوص قرآنية تدل على مشروعية التهنئة

ذهب المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث ودار الإفتاء المصرية، وعدد من الفقهاء المعاصرين: كالشيخ مصطفى الزرقا، والشيخ يوسف القرضاوي، والشيخ عبدالستار فتح الله سعيد، والشيخ عبدالله بن بيه، والشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ أحمد الشرباصي، وغيرهم إلى جواز تهنئة النصاري بأعيادهم، وقد استدل المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث على قراره بعدد من النصوص القرآنية منها:

لا دليل لمن قال بالتحريم سوى ترك النبي صلى الله عليه وسلم لتلك التهنئة، ومجرد الترك النبوي لا يصلح أن يكون دليلا على التحريم، فلا يدل إلا على مشروعية الترك كما هو رأي عدد كبير من علماء ألأصول

آية الممتحنة التى تشكل دستور العلاقة بين المسلمين وغيرهم وهى قوله تعالى"لا يَنْهَـٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَـٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ" [الممتحنة: 8]، فقد شرعت الآية الكريمة بر المسالمين منهم والإقساط إليهم، والقسط يعني: العدل، والبر يعني: الإحسان والفضل، وهو فوق العدل، فالعدل: أن تأخذ حقك، والبر: أن تتنازل عن بعض حقك. العدل أو القسط: أن تعطي الشخص حقه لا تنقص منه. والبر: أن تزيده على حقه فضلا وإحسانا، وقد اختار القرآن للتعامل مع المسالمين كلمة (البر) حين قال: (أن تبروهم) وهي الكلمة المستخدمة في أعظم حق على الإنسان بعد حق الله تعالى، وهو (بر الوالدين).

 والآية الثانية التي أباحت للمسلم أن يأكل من ذبائحهم ويتزوج من نسائهم، وهي قوله تعالى في سورة المائدة: "ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ" [المائدة:5]، ومن لوازم هذا الزواج وثمراته: وجود المودة بين الزوجين، كما قال تعالى: "وَمِنْ ءايَـٰتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" [الروم:21]، وكيف لا يود الرجل زوجته وربة بيته وشريكة عمره، وأم أولاده؟ وقد قال تعالى في بيان علاقة الأزواج بعضهم ببعض: "هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ" [البقرة: 187]، ومن لوازم هذا الزواج وثمراته: المصاهرة بين الأسرتين، وهي إحدى الرابطتين الطبيعيتين الأساسيتين بين البشر، كما أشار القرآن بقوله: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا" [الفرقان:54].

ومن لوازم ذلك: وجود الأمومة وما لها من حقوق مؤكدة على ولدها في الإسلام، فهل من البر والمصاحبة بالمعروف أن تمر مناسبة مثل هذا العيد الكبير عندها ولا يهنئها به؟ وما موقفه من أقاربه من جهة أمه، مثل الجد والجدة، والخال والخالة، وأولاد الأخوال والخالات، وهؤلاء لهم حقوق الأرحام وذوي القربى، وقد قال تعالى: "وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ" [الأنفال: 75] وقال تعالى: "إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى" [النحل:90].

وأما الآية الثالثة فهي قوله تعالى: "وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا" [النساء:86]، فقد أمرنا الله أن نجازي الحسنة بالحسنة، وأن نرد التحية بأحسن منها، أو بمثلها على الأقل، ومعلوم أنهم هم الذين يبدأون بتهنئة المسلمين بأعيادهم، ولا يحسن بالمسلم أن يكون أقل كرما، وأدنى حظا من حسن الخلق من غيره، والمفروض أن يكون المسلم هو الأوفر - حظا، والأكمل خلقا، كما جاء في الحديث "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا" وكما قال عليه الصلاة والسلام: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".!

وأما الآية الرابعة فقوله تعالى:{هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ} [الرحمن: 60]، وقد أحسن الأوروبيون إلى المسلمين شعوبا وحكومات فاستقبلوا أعدادا هائلة من اللاجئين، وآووهم وكفلوا لهم عيشا كريما وعاملوهم وفق مقتضيات المواطنة العادلة، وأقل رد لهذا الإحسان هو صلتهم وتهنئتهم بأعيادهم.

ولا دليل لمن قال بالتحريم سوى ترك النبي صلى الله عليه وسلم لتلك التهنئة، ومجرد الترك النبوي لا يصلح أن يكون دليلا على التحريم، فلا يدل إلا على مشروعية الترك كما هو رأي عدد كبير من علماء ألأصول، على أن الترك لا يكون حجة إلا مع وجود المقتضي وانتفاء المانع، ولم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ما يقتضي التهنئة بخلاف عصرنا.

إننا اليوم في أمس الحاجة إلى فقه حضاري إنساني عالمي، نظهر به جماليات إسلامنا، ونعلو به على تاريخ صراعنا، ونتجاوز به مرير أزماتنا، ونغير به الصورة السلبية المغلوطة عنا.

إن غاية ما أريد الوصول إليه هو الإقرار باعتبار الخلاف في المسألة والتحلى بأدب الخلاف عند المناقشة، وتجنب تفسيق وتبديع وتكفير المخالف في الرأي، وطبيعة الفتوى أنها غير ملزمة، فيسع من لم تقنعه فتوى إباحة التهنئة أن لا يهنيء شريطة أن لا ينكر على من هنأ، أو ينتقص من إيمانه، أو يتهمه بعدم سلامة عقيدته.

وكل عام وإخواننا من غير المسلمين بخير.