كيف نجعل عامنا جديدا حقا؟

الأحد 30 ديسمبر 2018 01:28 م بتوقيت القدس المحتلة

كيف نجعل عامنا جديدا حقا؟

بقلم المدونة: وجدان شتيوي

عام سيُطوى ويأتي آخر.. ككل عام يكون الأمل بأن يكون خيراً مما قبله، تتناثر الأمنيات، ويتبادل الناس التهاني والدعوات، ويعلِّقون الآمال على العام الجديد.. لكن ما ينبغي علينا إدراكه أن الأعوام ليست مجرد أرقام تتبدل، وأن الأرقام ليست مفاتيح حظ أو فأل شؤم أو مدعاةً للتفاؤل. ما علينا فعله في نهاية كل عام عملية جرد دقيق للأفعال كالمسلم الذي يحصي أمواله بدقة ليخرج زكاتها. ما يتوجب علينا هو عملية إعادة ترتيب للأولويات، ومحاولة استخلاص العبر والدروس من العثرات والأزمات، فالعام الجديد لا يكون جديداً ألا إذا أضاف لنا سابقه خبرة، أو زادنا علماً وحكمة.

كم تمنينا أن ترجع السنين إلى الوراء؛ لنقوِّمَ اختياراتنا، ونضبط سير علاقاتنا.. نتجنب أشخاصاً وثقنا بهم، ونقدِّر آخرين ما التفتنا لهم وقدَّرناهم، ولكننا ننسى أن تلك السنين بكل ما بها من قسوةٍ وتجارب أليمة مخاض الحكمة والخبرة. ومن الأخطاء الشائعة في مطلع كل سنة جديدة متابعة الكثيرين لتوقعات خبراء الأبراج، إذ يتشاءمون أو يتفاءلون بناءً عليها فيضعون تصوراً مسبقاً لمجرى سنتهم هذه في عقلهم الباطن. وذلك بعيداً عن الإيمان بأن الله وحده عالم الغيب، والقادر على تغيير أي حال بلمح البصر، يُبدِّل ما نظنه مستحيلاً بكلمة كن، إنه وحده جل جلاله من يمطر سماءنا بالأماني المحققة بعد قحط سنواتنا العجاف بالأمل، بعد يأسنا وقنوتنا ووقوعنا مراراً في وحل الفشل.

لا تنتظروا تبدل الأعوام لتتبدل أقداركم، بل اخلقوا في كل يوم ولحظة عاماً جديداً خاصاً بكم، ولا تأسفوا وتندموا مطولاً على أخطائكم

ولِيعدَّ العامُ جديداً لا بدَّ أن يضيفَ لرصيدنا في الحياة ما يستحق الذِّكر، وليتسنّى ذلك علينا أن نضع في بدايته خطةً لما نود تحقيقه فيه، ونحدد الأسباب التي أخرت سير خطتنا في العام السابق، ونتفاداها. المهم ألا نلغي خطة أحلامنا وطموحاتنا التي وضعناها سابقاً ونجعلها تهترئ بتقادم عقارب الزمن.. فعلينا التعديل عليها وفقاً لما استنبطناه من عبر، وجعلها أكثر مرونة. كما علينا وضع كثير من الخيارات والبدائل في حالات الظروف الطارئة، أو هبوب رياح عاصفة مفاجئة عكس تيار سيرنا تحط من سرعة نبض أحلامنا. وعلينا تذكر أن الحياة دقائق وثواني لا تعود للوراء أبداً.

تحضرني هنا قصة العمارة ذات الستين طابقاً، إذ انتقل شابان من الأرياف للعمل في المدينة فبحثا عن سكن رخيص الثمن، فوجدا غرفة على سطح عمارة مكونة من ستين طابقاً بسعر زهيد، وأخبرهم صاحب العمارة أن المصعد يُغلق بعد الساعة الثانية عشر ليلاً، وذات يوم تأخرا في العمل وعادا بعد الساعة الثانية عشر، فتساءلا كيف سوف يصعدا كل هذا الدّرج! ثم اتفقا كي لا يُحسا بالوقت على أن يقصّا في أول عشرين طابق قصة مضحكة مسلية، ثم يقصّا قصة طويلة أثناء صعود العشرين طابق التالية، ويقصّا في صعود العشرين طابق الأخيرة قصة حزينة حتى لا يُحسّا بطلوع الدرج.. وبعد وصولهما بعد عناء، أخبر أحدهما الآخر بأنه نسي مفتاح الغرفة في السيارة، فتشاجرا ولم ينزل أيهما لجلب المفتاح..

هذه القصة الرمزية تدل على حياة الإنسان فالعشرين سنة الأولى تمر غالباً بين هزل وضحك، والعشرين سنة التالية هي القصة الطويلة بين عمل وزواج وأولاد وتربية والعشرين سنة التالية، ما أن يصلها الإنسان حتى يدرك أنه قد نسي المفتاح.. لم يعمل بجد.. لم يصلِّ أو يعمل لآخرته أو دنياه، ويكون قد ضعف بصره أو هزل جسده ولم يحقق في حياته ما يستحق الذكر أو الشكر.

فتذكروا وأنتم على أعتاب العام الجديد أنكم أنتم من يجب أن يتغير قبل تغير التواريخ، أنتم من تصنعون عامكم الجديد في الوقت الذي تريدونه، فلكل منا بوصلته وتوقيته الزمني الخاص به.. فأيام نعيشها قد تساوي في شأنها سنيناً.. وسنين تُمحى وتُنسى بلحظة لخلوها من أي إنجاز أو سعادة.. لا تنتظروا تبدل الأعوام لتتبدل أقداركم، بل اخلقوا في كل يوم ولحظة عاماً جديداً خاصاً بكم، ولا تأسفوا وتندموا مطولاً على أخطائكم.. وعيشوا بالطريقة التي تحبونها، وسيروا على النهج الذي به تبصرون نجاحكم، واجعلوا الدقيقة في أيامكم القادمة تساوي سنيناً مشرقة فتمحو من تقويمكم عجاف سنواتكم، وتُسقطها من الحسبان.