ألكسندر بوشكين.. شاعر روسيا الذي تعلم القرآن!

السبت 05 يناير 2019 06:49 م بتوقيت القدس المحتلة

ألكسندر بوشكين.. شاعر روسيا الذي تعلم القرآن!

بقلم الكاتب: عمران أبوعين

"كثير من القيم الأخلاقية موجزة في القرآن في قوة وشاعرية"

- بوشكين.

يعد شاعر روسيا الأكبر ألكسندر بوشكين أكثر أدباء روسيا حباً للشرق العربي وتأثراً به حضارياً وروحياً. ورغم المكانة المرموقة التي يشغلها التأثير العربي في إنتاج بوشكين فلم يحظ الموضوع العربي والإسلامي في إنتاجه بدراسة مستقلة تعني بجوانبه المتعددة.

كان العمر الأدبي لبوشكين في حدود العشرين عاماً، وهي ليست بالسنوات الكثيرة، لكن شاعرنا عاش حياة زاخرة بالحب والعطاء، والآمال والآلام، فبوشكين لم يكن ممن يعيشون على هامش الأحداث، بل كان يغوص حتى القاع في خضم الواقع، يؤرقه تناقضاته، وتبهجه تحولاته. فلم يكن وصف بوشكين "بشمس" الشعر الروسي أو "ببداية البدايات" يأتي من فراغ، بل هو وثيق الصلة بالمكانة المضيئة والخالدة التي يحتلها إنتاجه في تاريخ الأدب الروسي.

رحل بوشكين عن الحياة وهو في قمة نضجه وقدرته على العطاء الأدبي، رحل وهو ما يزال يمتلئ بالآمال والأفكار. بعد أن خر صريعاً في مبارزة زج إليها بتدبير من القيصر والصفوة، وذهب الشاعر لكن "بعد يومين من رحيله صارت داره مكاناً مقدساً لكل الوطن، ولم تشاهد الصفوة انتصاراً أكثر كمالاً ولا أكثر تألقاً.. وشيئاً فشيئاً بات العصر كله يسمى بعصر بوشكين". على حسب تعبير أنا أخماتوفا.

بداية التأثر بالشرق

تتبوأ ثقافة الشرق مكانة مرموقة في دائرة معارف بوشكين ومصادر ثقافته، فقد خابر بوشكين الشرق الحي في فترة إقامته في الجنوب حيث تعرف على حياة أهل القوقاز والقرم

وجدت أشعار بوشكين المحبة للحرية مناخاً طيباً في البيئة المحيطة بها، فانتشرت انتشاراً صاروخياً بين فئات الشعب المختلفة، واكتسبت شعبية متزايدة أثارت ضيق القيصر الذي قرر التخلص من بوشكين بنفيه إلى الجنوب – منطقة القوقاز-. لعبت طبيعة الجنوب الخلابة دوراً إيجابياً في توجيه اهتمامات بوشكين نحو الشرق، فانعكس هذا الاهتمام بوضوح في قصصه الشعرية الرومانتيكية التي كتبها خلال فترة الإقامة في الجنوب والتي من أهمها "أسير القوقاز"، "نافورة باخشى سراى"، فضلاً عن أشعاره الحرة التي جابت روسيا وجلبت له شهرة لا مثيل لها، فكان جزاءه النفي مرة ثانية، في هذه المرة إلى ضيعة ميخائيلوفسكي النائية، حيث حددت إقامته، ووضع تحت الرقابة المشددة.

وكانت فترة الإقامة في ميخائيليوفسكي فرصة طيبة أمام شاعرنا للتعرف عن كثب على حياة الفلاحين التي صورها في شمول في الرواية الشعرية "يفجيني أونيجن" كذلك أتاح له جو العزلة الريفية فرصة القراءة المتعمقة في التراث الأدبي العالمي للشرق والغرب. حيث كان من أهم نتاجه في هذه الفترة هي القصة الشعرية "الغجر" والتراجيديا التاريخية "بوريس جودنوف".

تتبوأ ثقافة الشرق مكانة مرموقة في دائرة معارف بوشكين ومصادر ثقافته، فقد خابر بوشكين الشرق الحي في فترة إقامته في الجنوب حيث تعرف على حياة أهل القوقاز والقرم، وقد أشار بوشكين بنفسه إلى ثراء تجربته الإنسانية في تلك الفترة التي كانت بالنسبة له، فترة "لخليط الأزياء، والوجوه، والقبائل، واللهجات المحلية والأوضاع".

وكانت حظ الثقافة العربية في فكر بوشكين كبيراً، وقد كان شغوفاً بمتابعتها في مختلف منابعها، فكان يتابع كتابات الرحالة الروس عن الشرق العربي، حيث حازت كتابات أ. مورافيوف اهتمام بوشكين وملاحظته، فقد كتب في عام 1823 عن كتاب مورافيوف "رحلة إلى الأماكن المقدسة" مشيراً إلى أن "الضابط الشاب قد سنحت له فرصة تحقيق رغبة قديمة وحلم محبب لدى الفنان وهي: التواجد في الشرق الأوسط. وكما أهتم بوشكين بكتاب مورافيوف بحديث مع حاكم مصر (محمد علي) وزيارة مورافيوف لعمق الأهرام، ورحلته إلى الصحراء حيث التقى بالبدو وتعرف على حياتهم.

حتى أن بوشكين قد توجه إلى بطرسبورغ في العام 1814 لسماع محاضرة ألقاها الأديب الروسي الكبير ن. جوجول عن الخليفة المأمون وعصره. كما وعثر في أوراق بوشكين التي تنتمي إلى سنوات متفرقة من عمره على محاولات لتعلم الحروف العربية ومرفق بها شروح لها، كذلك عثر على ملاحظات حول شكل الأرقام العربية.

مؤثرات عربية وإسلامية في أعمال بوشكين

من الوهلة الأولى تبدو "الموتيفات" العربية في إنتاج بوشكين – في غالبيتها- قريبة الصلة "بالحضارة العربية الإسلامية"، فقد اجتذب الشرق العربي اهتمام بوشكين إبان مرحلة ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، فجال بعقله وثقافته بين أرجاء هذه الحضارة يفتش بين رموزها.

قصائد بوشكين العاطفية الغزلية وقصته الشعرية الرومانتيكية "نافورة باخشى سراى" تعكس تأثر بوشكين بقصائد الغزل العربية والفارسية وبالأسلوب الشرقي للشعر الذي ارتبط في تصور الأدباء الروس بوفرة المجازات والاستعارات والتشبيهات

"ألف ليلة وليلة" في إنتاج بوشكين: تعرف بوشكين على "ألف ليلة وليلة" من خلال الترجمات التي ظهرت في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. وربما أيضاً من خلال ترجمة غالان الفرنسية التي تعد بمثابة أصل للترجمات الأوروبية التي ظهرت بعدها.  وفي الواقع، إن "ألف ليلة وليلة" تكاد تكون أشهر مؤلف عربي أثار خيال الشعراء الأوروبيين بعامة والرومانتيكيين بخاصة ومنهم كان شاعرنا بوشكين الذي انعكس تأثره "بألف ليلة وليلة" في أكثر من مؤلف مثل "روسلان ولودميلا"، و "ليال مصرية" و "اندجيلو"، وقصيدتي "القمر يتألق" و "التعويذة".

"قبسات من القرآن": تبرز مجموعة القصائد التسع التي يجمعها العنوان "قبسات من القرآن" كأكبر شاهد على تأثر بوشكين بالتراث الروحي للشرق العربي الإسلامي، وكبرهان دامغ على قدرة القيم القرآنية على عبور آفاق الزمان والمكان والتغلغل في نفوس أناس لا يؤمنون بعظمة القرآن الكريم. ويبرز الاستفسار حول الأسباب التي أثارت اهتمام بوشكين بالقرآن في مقدمة الاستفسارات التي أثيرت بصدد قبسات من القرآن " – فكما تقرر الناقدة لوبيكوفا – "إلى امتداد مائة عام وأكثر حاول الباحثون في إنتاج بوشكين أن يحددوا السبب الذي جذب بوشكبن تجاه القرآن؟ وما الذي حفزه على كتابة القبسات؟"، وهذا الاستفسار لا يخلو – بالطبع – من لهجة الدهشة والتعجب!

وبالطبع، فإننا حاولنا هنا تقديم نبذة عامة عن أثر الحضارة الإسلامية العربية في أعمال أمير شعراء روسيا ألكسندر بوشكين، فهي واضحة في أعماله القصصية والشعرية، ففي "روسلان ولودميلا"، حيث عكست علاقة "الموضوع العربي" في إنتاج بوشكين، فقد استلهم بوشكين في "روسلان ولودميلا" الأثر الأدبي العربي الكبير "ألف ليلة وليلة" بعد أن وجد به الخيال الذي يكمن في أعماق المثل الأعلى الأخلاقي المميز لرومانتيكية بوشكين.

وأما قصائد بوشكين العاطفية الغزلية وقصته الشعرية الرومانتيكية "نافورة باخشى سراى" فتعكس تأثر بوشكين بقصائد الغزل العربية والفارسية وبالأسلوب الشرقي للشعر الذي ارتبط في تصور الأدباء الروس بوفرة المجازات والاستعارات والتشبيهات، تلك التي اعتمد فيها بوشكين على المفردات المقتبسة عن حياة الشرق، والتي تميزت – في نفس الوقت- بسمة "الغرابة" و "الفخامة" الشرقية التي تحلت بها أعمال بوشكين الرومانتيكية.

وكما أشرت سابقاً، فإن المتتبع يلاحظ أثر الشرق واضح وبجلاء في أعمال بوشكين، وأن ما قدمناه هنا هو تعريف أو نبذة عن بعض أعماله وتأثره بالشرق العربي. وحيث يمكن الرجوع إلى كتاب "مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي" الصادرة عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية برقم 155، حيث تم الاعتماد على هذا الكتاب في مقالنا هذا.