لماذا يعجز الوعظ عن صناعة الأخلاق؟!

الخميس 10 يناير 2019 07:59 م بتوقيت القدس المحتلة

لماذا يعجز الوعظ عن صناعة الأخلاق؟!

بقلم المدونة: ولاء أمين

الناس عادة يحبون الوعظ؛ يقبلون على مجالس الوعظ ويتشوقون لسماع آية تربت على كتف متعب وتواسي قلب منهك. العلم الذي تستقى منه خطب الوعظ هو علم التزكية؛ العلم المهتم بمشاعر المكلفين.. المسؤول عن ضبط القلب وما يصدر عنه من مشاعر فيبلغ الإنسان درجة الإحسان؛ أعلى مراتب الإيمان. إذن مهمة الوعظ أن يجعل الإنسان يصل إلى أعلى مراتب الإيمان.. الإحسان؛ الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.. فإن لم تراه فإنه يراك؛ أي التحرر من كل الرقابات الدنيوية وجعل الرقابة ذاتية لأنها تنشأ من خشية الله.

وبالنظر لمفهوم الإحسان نجد أنه مفهوم فعّال؛ يغرس الفعالية في الأنفس.. لأنها تتحرر من قيود البشر والخوف منهم ويبقى لديها خوف واحد.. الخوف الذي يجعلك تستقيم بالضرورة ويمنحك القوة؛ الخوف من الله. ولكن خطابات الوعظ التي نسمعها في الواقع؛ لا تقوم بإيصال هذا المفهوم للأذهان ولا تتحدث عنه.. كلما تتحدث عنه هو اليوم الآخر والعمل لأجل اليوم الآخر؛ وهذا العمل هو العبادة.. والإحسان في العبادة؛ ماذا عن الإحسان في بقية جوانب الحياة؟!.. أليس الإحسان في كافة جوانب الحياة هو أجلّ مطلوب من الإنسان؟!.. أليس من واجب الإنسان أن يحسن إلى الأرض بعمرانها ويحسن إلى العقل بتعليمه كما يحسن إلى الروح والنفس بالعبادة فتتحقق تزكية النفس ويحدث وصل الروح بخالقها؟!

لنفترض أن الإنسان بلغ الإحسان في العبادة؛ كم تأخذ العبادة من وقت الفرد المسلم.. 6 ساعات على أعلى تقدير شاملة الفروض والنوافل.. ماذا عن بقية ساعات اليوم؛ كيف نحسن إليها.. كيف يحسن الإنسان إلى وقته وعمره الذي سيسأل عنه.. وعمره فيما أفناه؟! خطاب الوعظ عندما أفرط في الحديث عن العبادات وعن اليوم الآخر والزهد في الدنيا.. تحول علم التزكية من علم الفعالية وخوض غمار الحياة إلى علم الانهزامية والانسحاب من الحياة؛ وتكرست فكرة أن الإنسان خلق للعبادة فقط.. بالرغم من أن الله عز وجل عندما أخبر الملائكة أنه سيخلق إنسان قال "إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً".

القيم حين تُدرس في المجتمعات لابد أن تخرج من الإطار الوعظي حتى تصبح فعالة ومتحولة إلى سلوكيات وبديهيات في المجتمع، أي أن تُدرس على شكل فرضيات ونتائج.. ليستوعبها المتلقي وينفذها

الكارثة التي حدثت عندما أخذ خطاب الوعظ هذا المنحنى وتكرس مفهوم العبادة في ذهن الفرد المسلم أنه الغاية التي خلق لأجلها.. تفرغ المسلم للعبادة وانسحب من بقية مناحي الحياة؛ مردداً "الدنيا لهم والآخرة لنا"؛ ولم يحقق علم التزكية دوره ولم يبلغ الإنسان درجة الإحسان المنشودة؛ ليس هذا فحسب بل أسهم بشكل أو بآخر في إحداث الأميّة الدينية التي نعيشها.. الأميّة الدينية برأيي حدثت بسبب خلط المفاهيم في ذهن مسلم العصر الحالي، فهو لا يجيد التفريق بين الدين والتدين، ذلك أن الدين: هو كمالات، مبادئ وقيم.. أما التدين: هو نمط تفكير وأنماط سلوكية نتجت نتيجة تفاعل العقل البشري مع النص الشرعي.. تختلف تلك الأنماط الفكرية والسلوكية باختلاف تفاعل العقول مع النصوص.. هذا الخلط نتج بسبب نوع الوعظ الذي يجعل الدين محصوراً بتدين الواعظ وفهمه، فهو يطلق أقواله كأنها حقائق مقدسة، بالتالي اكتسب هالة قداسة حوله.. هذه القداسة بدورها أدت إلى ترسيخ أقوال المتدين "الواعظ" في الأذهان كأنها حق مطلق.

وهنا توقف الإبداع والاجتهاد ودخلنا مرحلة الجمود وتسليم العقول لأي شخص يعتلي المنبر.. إلى أن وصلنا إلى مرحلة الأميّة التي نعيشها، وفي هذا علينا أن نرسخ فكرة أن القداسة للدين وليست للمتدين وأن جميع أقوال المتدين لا يجب التسليم بها فقط لأنها صبغت صبغة دينية، بل يجب على كل إنسان التفكير فيها وإدخالها إلى معمل إيمانه الداخلي الذي لا يتوقف عن البحث والتنقيب، والتجريب والرفض والعدول والقبول. بعد الحديث عن التوظيف الغير صحيح لعلم التزكية، لابد من الاعتراف بضرورة بقاء الوعظ، ذلك أن بقاءه مرهون ببقاء الإنسان، ما زال الإنسان موجود.. سينحرف ثم يأتي من يصحح الانحراف ويرفضه ويدفع الله الباطل بالحق، وتجري سنة التدافع كأحد سنن الكون، ولكن السؤال لماذا يعجز الوعظ عن صناعة الأخلاق؟!

الدكتور جاسم سلطان يتحدث عن الأمر قائلاً أن فلسفة القيم ليست واضحة عند الإسلاميين، أي لم تعطى دراسات وبحوثات بالقدر الكافي الذي يجعلها قابلة للتحول إلى سلوكيات. مثلاً في رمضان يجتمع الجمع، تُقال الخطب، تذرف المقل.. لكن لا شيء يتغير على مستوى السلوكيات، الكاذب يستمر بكذبه والغشاش يستمر بغشه وهكذا. القيم حين تُدرس في المجتمعات لابد أن تخرج من الإطار الوعظي حتى تصبح فعالة ومتحولة إلى سلوكيات وبديهيات في المجتمع، أي أن تُدرس على شكل فرضيات ونتائج.. ليستوعبها المتلقي وينفذها.