تولستوي.. الأديب الروسي الذي تأثر بالسنة النبوية!

الأحد 27 يناير 2019 12:32 م بتوقيت القدس المحتلة

تولستوي.. الأديب الروسي الذي تأثر بالسنة النبوية!

بقلم الكاتب: عمران أبوعين

"أعتقد أنني لا أخطئ حين أعتقد أن الدين الذي أعتنقته هو نفسه الذي تعتنقونه"

-من خطاب تولستوي إلى محمد عبده

 

يبرز أديب روسيا الكبير تولستوي كأحد أعظم مشاهير الأدب العالمي الذين نالوا حب الملايين وتقديرهم، ولا تنبع شهرة تولستوي من كونه فناناً عظيماً فحسب، بل بصفته مُفكراً كبيراً تطرق في فكره إلى العديد من القضايا الإنسانية العامة والخاصة.

لُقب تولستوي بالعديد من الألقاب ربما كان أصدقها وصفاً له "إنسان الإنسانية"، فقد كان تولستوي فناناً ينفتح قلبه وعقله على العالم أجمع، وكاتباً وثيق الصلة بمشاكل عصره، لا في روسيا وحدها بل وفي كل أنحاء المعمورة.

الشرق الإسلامي في نظر تولستوي

تحتل شعوب الشرق مكانة الصدارة في دائرة اهتمامات تولستوي الدولية، واهتمام تولستوي بالشرق اهتمام قديم يعود إلى سنوات شبابه المبكر، حين اختار تولستوي اللغتين العربية والتركية تخصصاً للمستقبل، حيث تقدم في عام 1844 إلى امتحان القبول في جامعة قازان، وحصل على الدرجات النهائية وسُجل طالباً للغة العربية والتركية.

لم يكن اهتمام تولستوي بترجمة أحاديث الرسول إلى الروسية والتعريف بالفكر القرآني مرده إلى الصدفة وحدها، بل هو في الواقع تعبير صادق عن مدى تأثره بسيرة الرسول وأحاديثه

فقد آمن تولستوي بأصالة الفكر الديني النابع من الشرق، وهو الفكر الذي كان تولستوي يرى فيه حصيلة جامعة للقيم الأخلاقية التي اختُبرت لقرون والتي يجب أن تظل الحقيقة الراسخة الوحيدة في مسيرة الشعوب. حيث تبوأ الإسلام مكانة مرموقة بين الأديان التي أقبل تولستوي على دراستها، وقد أشار بنفسه إلى ذلك: "كنت أدرس البوذية، ورسالة محمد من خلال الكُتب، أما المسيحية فمن خلال الكتب والناس الأحياء المحيطين بي". وقد احتوت مكتبة تولستوي الشخصية على العديد من المراجع التي تتناول الإسلام بالشرح والتفسير.

كتاب تولستوي (أحاديث مأثورة لمحمد)

يتصدر كتابات تولستوي عن الإسلام كتيب بعنوان "أحاديث مأثورة لمحمد" وهو كُتيب يجمع بين دفتيه أحاديث للرسول انتقاها تولستوي بنفسه، وأشرف على ترجمتها إلى الروسية، ومراجعتها والتقديم لها. وقد أشار تولستوي في صدر كتابه إلى المصدر الذي أخذ عنه أحاديث الرسول - عليه الصلاة والسلام - وهو كتاب وضعه بالإنجليزية عبد الله السهروردي، وقد تخبر عن هذا الكتاب بعض الأحاديث التي وجد بها "حقائق تتسم بها مختلف التعاليم الدينية". وكان طبيعياً أن يجذب هذا الكتاب لتولستوي اهتمام الرواد الأوائل للترجمة من الروسية إلى العربية، وكان قد أشرف "سليم قبعين" على إصدار أول ترجمة لكتاب تولستوي "أحاديث مأثورة لمحمد"، وهي تُعد عملاً رائداً في تجربة الترجمات العربية عن الأصول الروسية.

ويشير تولستوي في بداية مقدمته لكتاب "أحاديث مأثورة لمحمد" إلى عقيدة التوحيد في الإسلام وإلى الثواب والعقاب والدعوة إلى صلة الرحم: "وجوهر هذه الديانة يتلخص في أن الله واحد، ولا يجوز عبادة أرباب كثيرة، وأن الله رحيم عادل ومصير الإنسان النهائي يتوقف على الإنسان وحده..". وينتقل تولستوي بعد ذلك إلى توضيح بعض تعاليم الإسلام، فيشير إلى الدعوة إلى الزهد وعفة اللسان، وتجنب الإغراق في الملذات، وتمجيد العمل والاجتهاد، والنهي عن الخمر، ويستوقفه - بشكل خاص - سماحة الدين الإسلامي تجاه الديانات التي سبقته.

  

تأثير السنة النبوية في فكر تولستوي وإنتاجه

لم يكن اهتمام تولستوي بترجمة أحاديث الرسول إلى الروسية والتعريف بالفكر القرآني مرده إلى الصدفة وحدها، بل هو في الواقع تعبير صادق عن مدى تأثره بسيرة الرسول وأحاديثه، وأيضاً تأثره بأسس المعاملات الإسلامية والأحكام الاجتماعية التي تضمنها القرآن والحديث. وقد بلغ إعجاب تولستوي بسيرة الرسول -عليه الصلاة والسلام- حداً كبيراً جعله يفكر في إعداد طبعات شعبية لكتاب يتناول حياة الرسول صلى الله عليه وسلم. وكذلك فكر تولستوي في "اعداد كتيب مختصر عن سيرة الرسول وأعماله للأطفال الروس".

وقد تبوأت أحاديث الرسول والمعاني القرآنية مكانة مرموقة بين الآراء التي يستشهد بها تولستوي للتأكيد على صحة دعاويه في كتبه الفلسفية، ذلك من خلال عدة محاور مختلفة. فمثلاً، على الصعيد الإنساني والعمل، فقد احتلت أحاديث النبي التي تحث على قيمة العمل في حياة الإنسان مكانة هامة من بين الأحاديث التي يستشهد بها تولستوي في كتاباته، فمن هذه الأحاديث ما رواه البخاري: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه".

بث تولستوي من خلال مؤلفاته الأدبية إيمانه بقيمة العمل وخاصة من خلال شخصية الإقطاعي ليفين في رواية "آنا كارينينا".

فعلى الصعيد الشخصي كان تولستوي يقدس العمل، والعمل اليدوي بالذات، ورغم انتمائه إلى الطبقة الارستقراطية الإقطاعية، فقد نزل تولستوي إلى الأرض يعمل بيده جنباً إلى جنب مع الفلاحين الذين يعملون في أرضه. وقد بث تولستوي من خلال مؤلفاته الأدبية إيمانه بقيمة العمل وخاصة من خلال شخصية الإقطاعي ليفين في رواية "آنا كارينينا".

ومن جهة القناعة والزهد، يجد تولستوي في دعوة الإسلام إلى تجنب الانغماس في متاع الحياة الدنيا صدى لقناعاته الذاتية ورؤيته للحياة، فقد كان تولستوي على اعتقاد بأن أحد مصادر غواية الإنسان تكمن في "انجذابه نحو متاع الدنيا"، ويستشهد تولستوي بأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام التي تدعوا إلى القناعة والزهد أو التي تؤكد هذه المعاني، فقد استشهد بذلك الحديث الذي رواه الترمذي "نام رسول الله وهو على حصير فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله لو اتخذت لك وطاء؟ فقال: مالي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب فاستظل تحت شجرة ثم راح وتركها".

ولم تكن أفكار الزهد والتقشف قريبة إلى فكر تولستوي فحسب، بل كانت أيضاً تعبيراً حياً عن مسلكه في الحياة، وتجسيداً لموقفه من الواقع، وبخاصة واقع القرية الروسية المعاصرة له والتي تعمق تولستوي في دراسة أسباب مآسيها، واستنتج أن السبب "في الجوع الذي يعاني منه الشعب والذي ليس مرده كسله، كما يؤكد الإقطاعيون، وليس بسبب جهله وبلادته، كما يتجسد في نفاق الليبراليين، بل بسبب زيادة شبعنا نحن (يقصد الاقطاعيين)".

وقد تأثر تولستوي بأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، التي تدعو إلى المحبة والتكافل الاجتماعي، وتلك التي تدعوا إلى العدالة، وكذلك الأحاديث التي وردت في حق المرأة الصالحة، وغيرها من المجالات، في الحقيقة لا يسعنا ذكرها هنا لسبب ضيق المقال. فقد أورد تولستوي العشرات من الأحاديث التي تعكس العديد من المجالات التي تمس جانب الأخلاق وأدب المعاملات، فتولستوي يرى في الدين: "أكبر وأفضل عامل في تربية الإنسان..".  

كان بودنا أن نتكلم ونسهب بشكل أكبر، إلا أنه وكما أشرت، فالمقال ضيق، والجوانب عديدة، ولا نستطيع الإلمام بهذا الفيلسوف الأديب، وإنما أحببنا أن نذكر هنا بعض الأمثلة - كالتي ذكرناها - من اهتمام تولستوي بأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام والاستشهاد بها في كثير من الجوانب الحياتية المختلفة. وبالأخير، فقد قمنا بالاعتماد على كتاب "مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي" وهو الكتاب الصادر عن سلسلة عالم المعرفة، في كتابة هذه المدونة وما احتوت عليه من معلومات.