تحرير الأقصى.. لماذا نجح صلاح الدين وفشلت الجيوش المعاصرة؟

الخميس 31 يناير 2019 04:10 م بتوقيت القدس المحتلة

تحرير الأقصى.. لماذا نجح صلاح الدين وفشلت الجيوش المعاصرة؟

بقلم المدون: حسن المختار

تعتبر قضية تحرير المسجد الأقصى من أكثر القضايا الدينية التي تشغل مئات الملايين من المسلمين حول العالم، كما تعتبر الحلم الذي يراود كل شاب مسلم، لاسيما الشباب الفلسطيني الذين ذاقوا الويلات من سلطات الإحتلال الإسرائيلي المغتصبة لوطنهم، ومما لاشك فيه تعتبر شخصية القائد صلاح الدين الأيوبي بمثابة الأب الروحي للمقاومين الذين حملوا عبأ تحرير المسجد الأقصى على عاتقهم، كما تعتبر شخصيته من أكثر الشخصيات التاريخية التي تحظى بحب وتقدير معظم المسلمين حول العالم. ولد القائد يوسف بن أيوب الدويني التكريتي أو ما بات يعرف بلقب الملك الناصر صلاح الدين في مدينة تكريت العراقية عام 532 للهجرة الموافق لعام 1138 للميلاد لعائلة كردية عريقة يُرجح بعض المؤرخين أن نسبهم يعود إلى أيوب بن شاذي بن مروان من أهالي مدينة دوين الأرمينية، وقد ولد صلاح الدين في الليلة التي غادر والده قلعة تكريت عندما كان والياً عليها.

شخصية القائد القوية

امتلك الناصر صلاح الدين شخصية قوية وقرار راجح بعيداً عن العواطف مما أكسبه ثقة عمه أسد الدين شيركوه الذي بدأ يعتمد عليه بالكثير من معاركه التي خاضها تحت راية القائد نور الدين زنكي لاسيما تلك التي خاضوها في مصر ضد الوزير الفاطمي المتمرد والإفرنجة الصليبيين. يرى المؤرخون بأن نجم صلاح الدين الأيوبي قد لمع مبكراً في سن الشباب إبان حكم الدولة الفاطمية، ومحاربة تمرد الوزراء فيها، حيث كانت دولة الفاطميين تمر بأسوء حالاتها، ولم يكن للخليفة الفاطمي فيها من السلطة من شيئ سوا الدعاء له على المنابر في الوقت الذي كانت فيه السلطة الفعلية بيد الوزراء الذين أعلنوا العداء فيما بينهم سعياً وراء السلطة والنفوذ، فبعد هروب الوزير الفاطمي شاور بن مجير السعدي من مصر و لجوئه إلى دمشق بعد طرده من قِبل ضرغام بن عامر اللخمي والذي نصب نفسه وزيراً خلفاً له، قرر الملك نور الدين زنكي إسناد مهمة إعادة سلطة شاور المسلوبة إلى القائد أسد الدين شيركوه والذي كان أبن أخيه صلاح الدين أحد أتباعه المخلصين.

دخول الأيوبيين إلى مصر

أدرك صلاح الدين الخطر الصليبي المتربص بالدويلات الإسلامية الضعيفة فأخذ على عاتقه مسألة توحيد المسلمين وجمعهم تحت راية واحدة بهدف قتال الصليبين واسترجاع بيت المقدس من قبضتهم وجعل ذلك الأمر الهدف الأسمى في حياته

نجح أسد الدين شيركوه بمساعدة ابن اخيه صلاح الدين من هزيمة الوزير ضرغام بن عامر اللخمي بعد عدة جولات قتالية وإعادة الوزارة المسلوبة لشاور والذي يقول عنه المؤرخون أنه نكث بالعهد الذي أبرم بينه وبين شيركوه وتحالف مع الافرنجة الصليبيين وأستنجدهم لقتاله وإخراجه من مصر، في الوقت الذي كان فيه أسد الدين قد تقرب من الشعب المصري ولامس همومه والمعاناة التي كانوا يعيشونها في ظل الدولة الفاطمية تحت رحمة الوزراء المتعطشين للسلطة، لكنه أجبر تحت الضغوط الصليبية بالعودة إلى دمشق بعد حصار استمر عدة أشهر في بلبليس، واطلع الملك الزنكي على تفاصيل ما جرى معه.

وجد نور الدين زنكي في خيانة شاور الفرصة الذهبية لدخول مصر و إسقاط الحكم الفاطمي فيها، لاسيما خوفه من أن تمتلك الفرنجة مصر وبالتالي تسهيل عملية امتلاك باقي المناطق الاسلامية، فأمر شيركوه بالاستعداد مجدداً للسيطرة على مصر وجهز لأجل ذلك جيشاً قوياً خرج به من الشام برفقة صلاح الدين الذي كان له الفضل الأكبر في انتصار المسلمين على طلائع الصليبين الحامين لمصر، وعندما وصل الجيش إلى مصر نجح بدخول الاسكندرية والسيطرة عليها لكن بسبب كثرة الصليبين وقوة عددهم أُجبر أسد الدين مرة أخرى على العودة إلى الشام بعد فرض حصار خانق عليه داخل الإسكندرية من قِبل شاور والصليبين، زاد هذا الحدث من رغبة أسد الدين بالسيطرة على مصر والانتقام من خيانة شاور فسار بجيش قوي من الشام وعندما أحس ملك الفرنجة عموري الأول بقوة جيش أسد الدين بعد مناورة ناجحة أجراها نحو الجنوب متجاوزاً جيوش الصليبيين في السويس قرر الجلاء عن مصر بتاريخ 2 يناير 1169 ودخل شيركوه القاهرة بعد 6 أيام من ذاك التاريخ، لكنه لم يأمن خيانة شاور الذي بدأ بالتقرب منه وأدرك أنه لابد من القضاء عليه للسيطرة على مصر فأجمع أمره بالخروج عليه وفي تاريخ 18 يناير من ذات العام تمكن من أسر شاور وأصدر الخليفة الفاطمي العاضد لدين الله أمره بإعدام شاور وتعين شيركوه وزيراً بدلاً عنه ليتحقق بذلك حلمه بالسيطرة على مصر بشكل كامل.

تحديد هدف ثابت وبناء دولة قوية موحدة

إثر وفاة وزير مصر شيركوه ضغط الزنكيين أمراء الشام على الخليفة الفاطمي العاضد لدين الله بهدف تعيين صلاح الدين خلفاً لعمه أسد الدين وذلك لما أظهره من حُسن القيادة والتدبير في المعارك، وقد رضخ الخليفة الفاطمي لذلك الطلب وعينه وزيراً لمصر بسبب ضعف الدولة الفاطمية وقوة الدولة الزنكية وشعبية صلاح الدين الكبيرة في البلاد. وقد حيكت الكثير من المؤامرات ضد صلاح الدين بعد أن أصبحت وزارة مصر بيده، أبرزها بدايتاً كانت محاولة أغتياله عقب توليه الوزارة بفترة قصيرة من بعض الأمراء الفاطميين حيث كشف أمرهم و أعدم العقل المدبر لهم الذي كان يشغل منصب مؤتمن الخليفة الفاطمي وصولاً إلى ثورة فوج الجنود الزنوج عليه والتي تمكن من قمعها من ثم الأنتصار على الحملات الصليبيبة لتصبح بذلك مصر تحت سلطانه بشكل كامل.

شعر الزنكيون بأن الدولة الفاطمية الشيعية بدأت بالزوال لذلك أمر نور الدين الزنكي صلاح الدين بإقاف الدعاء للخليفة الفاطمي والدعاء للخليفة العباسي المستضيئ بأمر الله وفي شهر ستمبر من العام 1171 دعى شيخ سني من على منبر المسجد الأزهر بالتوفيق للخليفة العباسي لتتبعته بذلك جميع مساجد القاهرة في الوقت الذي كان فيه الخليفة الفاطمي على فراش الموت حيث لم يلبث طويلاً حتى وافته المنية لتسقط بذلك دولة الفاطميين الشيعية بعد حكم دام 262 سنة وبذلك تصبح مصر بالكامل تحت إمرة صلاح الدين والذي أتخذها قاعدة لتوحيد الدويلات الإسلامية في حلب والشام والحجاز.

أدرك صلاح الدين الخطر الصليبي المتربص بالدويلات الإسلامية الضعيفة لاسيما بعد وفاة الملك نور الدين لذلك أخذ على عاتقه مسألة توحيد المسلمين وجمعهم تحت راية واحدة بهدف قتال الصليبين واسترجاع بيت المقدس من قبضتهم وجعل ذلك الأمر الهدف الأسمى في حياته. وقد نجح في ذلك بعد الكثير من المعارك التي خاضها ضد الزنكيين و الحشاشة ومما عزز من موقفه واكسب لمعاركه الشرعية زواجه من أرملة الملك نور الدين زنكي لتبدأ بذلك حقبة جديدة من التاريخ بظهور الدولة الأيوبية التي نجحت في كسر شوكة الصليبيين وتحرير بيت المقدس.

بناء جيش مسلم ذو عقيدة سليمة

بعد توحيد الدويلات الإسلامية تحت سلطان الدولة الأيوبية عزم الناصر صلاح الدين على تحقيق الهدف الأسمى الذي قاتل لأجله فبدأ ببناء جيل مسلم بعقيدة نقية صافية عبر بناء المدارس الإسلامية وتعليم الجند العقيدة السليمة ضمن منهج أهل السنة والجماعة، في الوقت الذي كانت فيه مصر متأثرة ببقايا دولة الفاطمين الشيعية، حيث أمر بتحويل المسجد الأزهر من مركز لنشر التشيع إلى منارة لنشر المذهب السني والعقيدة السليمة، كما أسس مدرستين كبيرتين في الفسطاط هما المدرسة الناصرية، والمدرسة الكاملية بهدف نشر مذهب أهل السنة والجماعة في البلاد، وكانت هاتان المدرستان تُلقنان علوم الشريعة وفق المذهبين المالكي و الشافي، و لأجل القضاء على المذهب الشيعي في مصر بشكل كامل أمر مساجدها بالدعاء للخلفاء الراشدين الأربعة و إبطال الأذان الشيعي بحي على خير العمل.

وبذلك نجح صلاح الدين من تأسيس جيش مسلم يقاتل لأجل عقيدة واضحة جلية ذو بأس شديد وعزيمة فولاذية، مكنه من توحيد البلاد الإسلامية وقتال الصليبيين والانتصار عليهم في الكثر من المعارك، لاسيما معركة حطين التي جرت في يوم السبت 25 ربيع الآخر سنة 583 هـ، الموافق فيه 5 يوليو سنة 1187م والتي كُسرت على أثرها شوكة الافرنجة وأسر ملكهم مما مهد لصلاح الدين الطريق نحو التوغل تجاه ساحل الشام وفتح مدنه و حصونه حتى جاءت اللحظة التاريخية ألا وهي فتح بيت المقدس ودخول مدينة القدس في ليلة الإسراء والمعراج في 27 رجب سنة 583 هـ، الموافق لـ 2 أكتوبر سنة 1187م ليتحقق بذلك حلم فارس شجاع قاتل وصبر وبقي ثابت كالجبال في وجه المحن لتحقيق هدفه النبيل، فهل نرى صلاح جديد للدين في وقتنا الحاضر أم أن جيوشنا العربية وقادتها منشغلة بحماية عروش ملوكهم خشية ثورة شعبية تسقط حكمهم.