ماليزيا وصراع الخنزير مع النمر

الثلاثاء 05 فبراير 2019 07:47 م بتوقيت القدس المحتلة

ماليزيا وصراع الخنزير مع النمر

بقلم الاعلامي: سامر علاوي

يحتفل الصينيون في كل مكان هذه الأيام بحلول السنة الصينية الجديدة التي تحمل اسم "عام الخنزير"، والصينيون الماليزيون طبعا جزء أصيل من الثقافة الصينية بمدلولاتها وإسقاطاتها الاجتماعية والسياسية إلى جانب كونهم مواطنون يتمتعون بكامل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ولتسمية دورة الأعوام الاثنتي عشر في التقويم الصيني القمري بأسماء حيوانات دلالاتها، وغالبا ما تتعلق بالحظ، كما يُعتقد أن صفات وطبائع الحيوان الذي تحمل السنة اسمه " مثل القرد والأرنب والأفعى والخروف وغيرها" تؤثر في طبائع وصفات من يولدون في هذا العام.

أما الماليزيون - وأقصد بهم الغالبية الملاوية - فيتخذون من النمر شعارا دائما لهم، وهو رمز الدولة وشعارها، ويشعرون بأن صفات النمر تنطبق عليهم، ويقولون إنهم متحفزون وحذرون دائما لما يحيط بهم، وذلك بحكم طبيعة الغابات الكثيفة التي يعيشون فيها، والإنسان ابن بيئته.

(توزيع واستهلاد البرتقال المعروف بالمندرين (إحدة اللغات الصينيةالرئيسية) أبرز طقوس السنة الصينية الجديدة)

ولكل من "النمر والخنزير" ثقافته الخاصة في الموروث الشعبي لدى مجتمعي الملاويين والصينيين في ماليزيا، فالملاويون يعتقدون أنهم أصحاب الأرض، وذوو الأعراق الصينية أصبحوا ماليزيين بحكم الأمر الواقع عند استقلال البلاد، ونسِّق باتفاق (العقد الاجتماعي) الذي توصل إليه الآباء المؤسسون للدولة من مختلف مكونات الشعب الماليزي.

وبعد أكثر من ستة عقود على الاستقلال ما زال هناك شعور قوي بحشر الخنزير والنمر في غرفة واحدة، ودعوتهما لتفهم كل منهما طباع الآخر، والبحث عن عوامل مشتركة، وحصل التعايش بإقرار الخنزير بسيادة النمر، واحترام النمر قدرات الخنزير بالتكاثر الاقتصادي، بل والاستفادة القصوى منها، وهو ما قد يكون وراء نجاحهما في إدارة الصراع داخل الغرفة. لكن هذا العام يبدو مختلفا، حيث يرى قسم غير قليل من أبناء النمر أن الخنزير تجاوز قواعد اللعبة عندما أصبح يشكل الثقل الرئيسي في الكتلة البرلمانية للتحالف الحاكم.

سياسيا لم يعد تقاسم الأدوار كما كان في السابق، فمن كان من القيادات الصينية في ماليزيا يناصب القيادة الملاوية العداء نصّب نفسه اليوم مستشارا لها، ومن كان منهم يشبه الملاويين بقرود الغابة تحضروا بمجيئ الصينيين نصب نفسه اليوم وصيا عليهم. حملت السلطة الجديدة ومنها التيار الصيني سلاح مكافحة الفساد، وصوبوه باتجاه الملاويين الذين قادوا تحالفات السلطة على مدى 61 عاما، وبدل أن يحدد الفساد برموز الطغمة الحاكمة فقد ألصق بالأحزاب التي تدعي الدفاع عن حقوق الملاويين، كما انتحل الصراع العرقي والديني صبغة سياسية.

عام الخنزير السابق صادف عام 2007، حظرت الحكومة الصينية حينها الدعايات التي تتضمن مجسمات ورسومات خنزيرية حفاظا على مشاعر الأقليات، علما بأن المسلمين في الصين يشكلون أقل من 2%. أما في ماليزيا فتتنافس الشركات الكبرى في تجسيد رموز الأبراج الصينية في علاماتها التجارية مع بداية كل عام صيني، وامتلأت الأسواق التجارية خلال الأسابيع الماضية بصور ومجسمات الخنزير بهدف التسويق التجاري.

(يقبل الصينيون على بطاقات الحظ، ويتبدلونها بينهم، وعادة ما يوضع في كل مغلف ورقة عملة من الفئات الصغيرة تحفظ على مدى العام)

معظم الملاويين لا تثيرهم الصبغة الصينية للبلاد بالتزامن مع الاحتفالات الصينية، بل يفخرون بسماحة الدين الإسلامي، وتعايشهم مع معتنقي الديانات والثقافات الأخرى، ويعتبرها آخرون صورة للتنوع الثقافي والاجتماعي الذي يميز البلاد.

لقد سبق تدنيس مساجد بقتل خنازير داخلها، ورغم التحقيق في القضية فإن السلطات أبقت النتائج طي الكتمان، لعله تجنبا لإثارة نعرات عرقية، وبعد مقتل إطفائي على أيدي نشطاء من الأقلية الهندية وسط خلاف على ملكية أرض لمعبد هندوسي، اتهمت جهات ملاوية حزبا يهيمن عليه الصينيون بالمسؤولية عن مقتل عنصر الدفاع المدني الملاوي.

يبقى موضوع الرموز الثقافية والدينية للصينيين وغيرهم من الأقليات مقبولا في ماليزيا ما دام أنه بعيد عن الإسقاطات السياسية، وهو المنحى الذي يرى مراقبون كثرا أن البلاد تتجه إليه بالفعل بعد الانتخابات الأخيرة، والتي حقق فيها الساسة الصينيون تقدما غير مسبوق على مستوى التمثيل البرلماني أو عضوية الحكومة، وجعل بعض الملاويين يقول صراحة إن الخنزير يأكل النمر في داره.