الابتزاز الجنسي.. وسيلة فعالة بيد الدول والحكومات!

الثلاثاء 12 فبراير 2019 06:57 م بتوقيت القدس المحتلة

الابتزاز الجنسي.. وسيلة فعالة بيد الدول والحكومات!

بقلم الكاتب والمدون الفلسطيني: سري سمور

ضحايا الضحية.. قبل حوالي 30 عاما وقع بين يدي كتاب موسوم بـ(الضحية تعترف) وأكاد أجزم أنه ما من بيت فلسطيني إلا وقد قرأ فرد منه الكتاب كلمة كلمة وحرفا حرفا، وربما أكثر من مرة، ومن لم يقرأ الكتاب يعرف ما بين دفتيه جملة أو تفصيلا، بحيث صار مادة تثقيفية تحذيرية، لجيل بأكمله، مع أن عدد النسخ كان محدودا، وربما نسخة واحدة يتم تمريرها لعشرات الأشخاص، وتداول هذا النوع من الكتب في تلك الفترة، كان ممنوعا من سلطات الاحتلال الصهيوني، وكان لا بد من إخفائه جيدا، بل عدم تمريره إلى من يشك في حسّه الأمني!

الكتاب يحوي قصة عميل من مدينة جنين، وقع في العمالة منذ مرحلة المراهقة عن طريق إغوائه بالمال ثم الزنا بمجندة يهودية، ثم استخدم العميل ضمن فريق لإسقاط للشباب والفتيات، حيث تم استخدام صالون للسيدات صاحبته تعمل مع المخابرات الصهيونية، وكرا للإسقاط، بوضع حبة منوّم في فنجان القهوة الذي تتناوله إحدى زبونات الصالون فيغمى عليها ويقوم العميل (م.ف) بممارسات شائنة معها، ويقوم مصوّر مختص بالتقاط الصور، ومن ثم يعاد وضع الفتاة إلى طبيعتها وإلباسها ثيابها، وإظهار الأمر وكأن سِنةً من النوم قد أخذتها.

وفي اليوم التالي يقوم ضابط الشين بيت (جان) وهو المسؤول عن فريق الإسقاط، بعرض صور على الفتاة (الضحية) التي تتعرض لابتزاز قاس جدا؛ فإما فضحها أمام أهلها وأمام المجتمع وإما القبول بأن تتعاون معهم، وبعد قبولها تصبح أداة إسقاط لغيرها، لدرجة أن إحداهن علمت بعلاقة عاطفية  بين أخيها وبين ابنة الجيران، فدبرت –بهدف التخلص من مراقبة الأخ وتنفيذ أوامر جان- حيلة فأحضرت ابنة الجيران إلى منزلها وخدرتها بمشروب، وقامت بتعريتها وطلبت من أخيها أن (يفعل بها ما يشاء) ولكن الأخ خاف ولكن تم التقاط صور له تكفي لابتزازه، فسقط هو وحبيبته في وحل العمالة إضافة إلى أخته الساقطة قبلهما!

هناك الكثير ممن تعرضوا لهذا الابتزاز رفضوا العمالة، وفضلوا أقل الضررين، أي الفضيحة ولكن ثمة من استسلموا وخضعوا للابتزاز

السيناريو ظل مستمرا حتى استهدفت فتاة يبدو كان لها نشاط نضالي (مظاهرات أو ما شابه) تم تصويرها بعد التخدير، ولكنها حين استدعيت وتعرضت للابتزاز ثارت ثائرتها وضربت جان وعبده الذليل (م.ف) بالحذاء وقد أمهلها مدة لتختار الفضيحة أو العمالة، ولكن (أسماء) كتبت رسالة تشرح فيها ما حدث، وتناولت مادة سامة، لتصعد روحها إلى الله تعالى تشكو الخيانة والاحتلال المجرم، وتفضح وكرا من أوكاره، فقد هربت الكوافيرة، وتم إحراق صالونها النجس، وصارت قصة أسماء مادة توعوية حيّة للشبان والفتيات الفلسطينيين.

لا يتسع المجال إلى شرح كل فظائع هذا العميل وسيده الصهيوني، فحتى ما هو مكتوب في الكتاب حسبما جاء في المقدمة، هو غيض من فيض، وقد تم الاقتصاص من هذا العميل في سجن الرملة، ويقال إن المناضلين شنقوه برباط حذاء، وذلك في النصف الأول من ثمانينيات القرن العشرين.

هذا الكتاب وما جاء فيه من اعترافات، خلقت عند الناس ردة فعل، وحذر شديدين من مشكلة الوقوع في المحظور والخضوع للابتزاز الجنسي، فصار هناك تنبيه بتجنب صالونات السيدات، وظل هذا الحذر فترة طويلة حتى وثق الناس بأن (صالون شروق، وهذا اسم الصالون الذميم) حالة شاذة، وكذلك تجنب استخدام الفتيات لغرف قياس الملابس خوفا من وجود كاميرات، وكذلك عدم تناول أي مشروب (قهوة أو شاي أو عصير برتقال أو حتى ماء عادي) عند أشخاص مشبوهين في مكان مغلق، أو في حال اعتقل الشخص أو استدعي لمقابلة المخابرات الإسرائيلية، ومع أن هذا يدخل تحت باب الهوس الأمني المبالغ فيه، ولكن هو أفضل من اللامبالاة.

وكان هناك توعية حزبية واجتماعية بأنه لو وقع أحد ما في المحظور، وجرى عرض الصور عليه وتهديده بنشرها، فلا يقبلن أن يصبح عميلا، أولا: لأنهم لن يجرؤوا على نشرها، وثانيا: لأن الفضيحة الجنسية أخف من الخيانة، وفي حال قبل العمالة سيفضح لاحقا، وتكون الخسارة مضاعفة، كما جرت حملات توعية شفوية ومكتوبة للشباب والفتيات بأن يتجنبوا العلاقات واللقاءات والتواصل ولو بحدوده الدنيا خوفا من وجود فخ للإسقاط.

ومع أن هذا الأسلوب معروف عند المخابرات الإسرائيلية، وصار مكشوفا ووعي الناس أكثر، ولا مقارنة بين الفترة التي نشط فيها العميل (م.ف) والفترات اللاحقة، ولكنه ما زال مستخدما من حيث مبدأ الابتزاز الجنسي، بغض النظر عن كيفية نصب الفخ، ولكن المخابرات الإسرائيلية تراهن على أن من يقع في الممارسة الموثقة بالصورة بل بالفيديو حاليا، سيخضع ويصبح عميلا لها.

ومع أن هناك كثيرا ممن تعرضوا لهذا الابتزاز رفضوا العمالة، وفضلوا أقل الضررين، أي الفضيحة ولكن ثمة من استسلموا وخضعوا للابتزاز. فنحن مجتمع محافظ، واستهداف شخص له مكانة اجتماعية واحترام، أو فتاة أهلها لهم احترامهم بين الناس، وتعريضه لهذا الابتزاز ليس بالأمر السهل عمليا، وهناك فتيات قد يقتلن أنفسهن مثلما فعلت أسماء.

وقد يرافق الابتزاز والتهديد بنشر المواد المصورة إغراء مادي أو غيره حتى يسهل الإيقاع بالفريسة، وتزيين الأمر لها، وتهوين إغراقها في وحل الخيانة والعمالة. ولكن إذا كان هذا عدو يتوقع منه هذا وأفظع وأكثر، فما بال دولة أو حكومة تعمل به مع رعاياها؟

العرب استنسخوا الأسلوب

الدولة أو الحكومة تستخدم أدواتها التنفيذية والقضائية، لإسقاط الضحية بأسلوب الابتزاز الرخيص، وعادة ما تستهدف الدولة شخصية عامة مثل كاتب أو صحافي أو فنان كي يخضع تماما بفعل الابتزاز ويصبح مسلوب الإرادة

في فيلم (درب الرهبة) المصري قصة مشابهة؛ حيث أن صحافيا معارضا يضبط مع عشيقته في وضع الزنا، فيتم اعتقالهما مع صديقة العشيقة، ويُساوم الضابط الصحافي، مع استبطان التهديد، فإما فضيحة وقضية تلبس بالزنا، خاصة وأنه تم اتهام عشيقته وصديقتها البريئة بالدعارة وتقديمهما للنيابة والمحاكمة، أو أن ينتقل الكاتب الصحفي من صف المعارضة للنظام إلى صفوف الموالاة والتأييد، وهو ما يحصل فعلا، لدرجة أنه يستلم (جورنال) حكومي!

هذه القصة وإن كان كاتبها ضابط سابق في الجيش (إسماعيل ولي الدين) أي المؤسسة التي تحكم الديار المصرية فعليا وشموليا منذ بضع وستين سنة، إلا أنها تشير إلى ما تبين أنه ممارسات فعلية للنظام، وقد انكشفت بعض خفاياها مؤخرا، ناهيك عن فضائح (صلاح نصر) في عهد ناصر.

الفكرة أن الابتزاز الجنسي بيد دولة محتلة (إسرائيل في سطور سابقة) أو نظام وحكومة، كما في مصر وغيرها، أخطر وأكثر فاعلية من الابتزاز الإلكتروني الجنسي الذي يقوم به أفراد أو عصابات إجرامية بهدف الحصول على المال، حيث أن هذه العصابات ملاحقة ومستهدفة من الحكومات غالبا، ما لم تكن تابعة لها خفية.

ولكن الدولة أو الحكومة تستخدم أدواتها التنفيذية والقضائية، لإسقاط الضحية بأسلوب الابتزاز الرخيص، وعادة ما تستهدف الدولة/الحكومة شخصية عامة مثل كاتب أو صحافي أو فنان أو مقدم برامج معروف أو شيخا أو قسيسا أو رجل أعمال، كي يخضع/تخضع تماما بفعل الابتزاز ويصبح مسلوب الإرادة، ومجرد صدى لصوت غيره.

وفي حال فكر بالتمرد أو الخروج عن النص، فمقصلة القضاء جاهزة، والتهمة الممزوجة بفضيحة من العيار الثقيل واضحة البينات، وهو عندها سيتحول إلى حالة دفاع عن النفس، إما بنفي التهم، أو تبريرها!

وهذا لا يعني أن الدولة/الحكومة العربية خاصة، تعمل ضمن فريق واحد بكافة أجهزتها؛ لا بالتأكيد، فهناك أجهزة متنافسة، وكل له ضحاياه ممن خضعوا للابتزاز الجنسي، وانكشاف بعض الحالات، ربما يعبر عن مدى تنافس تلك الأجهزة، أو استقواء بعضها على بعض!