نحن بحاجة للحب لا لعيده!

الخميس 14 فبراير 2019 06:42 م بتوقيت القدس المحتلة

نحن بحاجة للحب لا لعيده!

بقلم الكاتب والباحث المغربي: أمين أمكاح

إن المتأمل للواقع الذي تعيشه مجتمعاتنا الإسلامية سيدرك لا محالة بأننا نفتقر للحب في معناه الحقيقي؛ نظرا لما نعرفه من جحود إنساني وتجويف قيمي جعل المادة تطغى على تفكيرنا فتعطلت معه كثير من مشاعرنا النبيلة لأنها صارت معطوبة، الشيء الذي قلب حياتنا فأصبحت محصورة في الأرقام والحسابات والأرباح، فأغفلنا مراجعة أنفسنا والبحث في ثناياها عن الحب الذي يمنحنا الراحة والاطمئنان الذي ينقصنا؛ وهذا ما يؤكد حاجتها الماسة والمتنامية للحب الذي يعد أصل النماء المثالي للجنس البشري بعيدا عن المعنى الضيق الذي يروج له على اعتباره أمرا يخص العشاق فقط، كما لا يمكن حصر الحب في المشاعر القلبية الطاهرة وحدها؛ فبفضله نتمكن من التصرف بسلوكيات نبيلة كالألفة والمودة والتعاون والعطف، بمعنى أن الحب يسهم في القضاء على الحروب فهو المسؤول عن حدوث التعايش السلمي بمفهومه العام. لهذا نحن بحاجة إلى أن نحب بعضنا أكثر من أي وقت مضى، لأننا بالحب وحده نستطيع أن نطرد النرجسية السائدة التي سيطرت على مشاعرنا وتصرفاتنا وجعلتنا لا نهتم إلا بما تطمع له ذواتنا من منافع ونزوات عابرة.

إن ما يطلق عليه عيد الحب لا يمت إلى موروثنا الثقافي ولا إلى مرتكزات كياننا العقدي والفكري بأية صلة، لكن الحب كقيمة تعد من صميم إنسانيتنا وديننا وأخلاقنا، ونحن بالرغم من أننا مسلمين إلا أننا أصبحنا أحوج الناس إلى التذكير بأهمية هذه القيمة، وإدراك ذلك لن يتحقق بتخصيص يوم واحد في السنة للاحتفال بالحب، فنحن نود أن تكون كل أيامنا حبا في حب، وعلى سبيل المقارنة نجد أولئك الذين نضج معنى الحب في قلوبهم وعقولهم لا يهمهم أبدا وجود يوم يحتفل فيه بالحب، في مقابل نجد الفئة غير الناضجة تنظر إلى الحب من زاوية ضيقة، فتقصر بشكل طردي نظرتهم وهذا بالذات ما أدى إلى تقزيم معنى الحب عندهم، الشيء الذي جعلهم يتخذون زمن مؤقت ومحدود للاستماع بالحب بدل نشره على نطاق واسع بشكل دائم لكي تسمو مجتمعاتنا إلى مراتب إنسانية عليا.

الحب وحده من يمس أغوار أحاسيسنا فنتمسك به حتى وإن أضعفتنا المواجع والمصائب، لأنه اليد الحانية التي تسندنا عندما تعصف بنا زلازل الأقدار، فإذا كان الحب يعطينا القوة الحقيقية والمعنى الواضح لحياتنا بلا مقابل

اختفى مفهوم الحب الصائب تدريجيا من حياتنا وحلت محله المصلحة الذاتية والمنفعة المادية وصار الحب مجرد قناع يضعه أفراد كثيرون لإخفاء زيفهم وخداعهم، لكن سرعان ما يتهاوى هذا القناع ويتجلى الوجه الحقيقي لهؤلاء عندما تنتفي المصلحة وتنقضي المنفعة التي كانوا يسعون وراءها من خلال ادعاءاتهم الزائفة وأكاذيبهم الخداعة، وهذا ما كان ليحصل لولا سذاجة وغباء من تعاملوا معهم.

حياتنا نحن البشر بلا حب عذاب وشقاء؛ فبدونه لا نستطيع أن نعيش حياة سعيدة، فحاجتنا لقيمة الحب يعززها ديننا الإسلامي الذي هو دين المحبة للبشرية، فلماذا نخجل من إعلان الحب وهو ركيزة من ركائز ديننا الأساسية؟ كما أن الحب كقيمة نبيلة مترسخة في صفات نبينا الكريم وتصرفاته، فالسبيل لإصلاح مجتمعاتنا سبيل داخلي روحي وأخلاقي، وقيمة الحب حل للخلافات والأزمات التي نعاني منها في واقعنا المر، لأنه بمثابة قوة مناهضة للشر فبه نُصلَح ونُصلِح.

الحب مبني على مواقف إنسانية مشرفة لا على رغبات وشهوات قصد المتعة ولا على مصالح وأغراض شخصية، ويظل الحب وحده من يبقينا مبتهجين على قيد حياة تليق بقلوبنا رغم كل ما تحمله في معتركاتها من مكدرات وأوجاع، فهو أيضا الذي يبعث في صدورنا ضياء ينير مشوارنا الحياتي ويدفعنا للعطاء الإنساني بسخاء، لهذا نحتاج إليه ليحرك ما خفي في أعماقنا من طاقات مخزونة لا يمكن لها الخروج لأرض الواقع إلا به.

وللدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله رؤية حكيمة عن الحب أبرزها في كتابه من الفكر والقلب؛ فهو يرى أن الحب سر من أسرار القلب يربى فيه فضائله ويحوط بالحفظ كمالاته، ويغرس في النفس بذور الإنسانية بعد أن يقلع منها جذور الأثرة والأنانية، فالحب في نظره الثاقب يعد أيضا خير مهاد لبناء الأسرة، وأفضل روح لتضامن الأمة، وأقوى زناد لتفجير ينابيع الحكمة وإذكاء شعلة الأدب.

كما نستعرض هنا قول الدكتور عادل الصادق أستاذ الطب النفسي في كتابه معنى الحب: "يحقق الحب للإنسان إنسانيته الحقة، ويسمو به ليصبح أقرب إلى السماء من الأرض، ومن النور إلى التراب، ولذلك نستطيع أن نقول إن رحمة الله التي ينشرها على عباده ومن خلال عباده تكون عن طريق المحبين أو المهيأة قلوبهم للحب".

ولا نمل من قولنا بكوننا مفتقرون إلى حب يسري في مجتمعاتنا الإسلامية باستمرار، فلا يمكن اختزال الحب في عيد مخصص للاحتفال به، لكونه قيمة ثابتة تروم للرقي الإنساني للوصول بالقلوب إلى التآلف بتعميق التعايش والتسامح وﻋﺪم اﻟوقوع فريسة النزاع المفضي للهلاك، أي الوقوف بصمود أمام الأزمات والخلافات وعدم التأثر بها سلبيا لمواصلة رحلة الحياة بسلام مع كافة مكونات مجتمعاتنا المختلفة الطوائف والأيديولوجيات.

وفي الأخير، لا يسعنا إلا أن نؤكد على أن الحب هو المصدر الأصيل لقوتنا الحقيقة وليست المادة، فبدونه نظل تائهين وغير آمنين؛ أي أننا نصبح ضعفاء روحيا على هذه الأرض مهما تضخمت سلطتنا المادية، فالحب وحده من يمس أغوار أحاسيسنا فنتمسك به حتى وإن أضعفتنا المواجع والمصائب، لأنه اليد الحانية التي تسندنا عندما تعصف بنا زلازل الأقدار، فإذا كان الحب يعطينا القوة الحقيقية والمعنى الواضح لحياتنا بلا مقابل، ويمكن أن نمنحه بسخاء لأنه لا يقترن بمناسبة محددة ولا بتحقق أمر ما أو حصول شيء ما؛ لأنه باختصار عاطفة وسلوك غير مشروط، فلماذا لا ننشره حولنا على الدوام وبلا قيود؟!