حين وقف السلطان عبد الحميد في وجه الصهيونية

الأربعاء 20 فبراير 2019 02:34 م بتوقيت القدس المحتلة

حين وقف السلطان عبد الحميد في وجه الصهيونية

بقلم المدون والشاعر: حذيفة العرجي

لم تكن محاولةً واحدةً من مؤسس الهيئة السياسية الصهيونية تيودور هرتزل، ولم يكن رفضاً واحداً من السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله، بل قضى الأول السنوات الطوال وهو يحاول بشتى الوسائل والطرق، فكان يتصل بالدول والأباطرة والملوك والأمراء ورجال الدين وأهل السياسة من كلّ عرقٍ وينٍ ولون، من أجل أن يصل إلى حلمه في تأسيس وطنٍ قوميٍّ لليهود الصهاينة في فلسطين، نعم هذا ما تقوله يوميّاته التي انتهيت من قراءتها قبل أيّام، وتركت فيّ فهماً جديداً لعقليّة اليهود الصهاينة، وأثراً عظيماً للسلطان المُفترى عليه.

الذي دفعني لقراءة مذكرات هرتزل هي قصيدة كنتُ كتبتها بالسلطان عبد الحميد الثاني في ذكرى وفاته المائة، وعنونتها "رثاءٌ تأخر عن وقته مائة عام" وثارت عليّ بسببها ثائرة الذين درسوا التاريخ في مدارسِ أنظمتهم! هجوم هؤلاء الجهلة جعلني أبحث بشكلٍ أكبر في الكتب التي تحكي واقع ذلك العصر بالتفصيل، وأغوص في أعماقها حتّى أصل لفهمٍ أقرب للحالة السياسية في زمان السلطان عبد الحميد الثاني، وإذ كان لا بدّ لقارئ التاريخ أن يقرأ للعدوّ والصديق، وأن يتجرّد تماماً من الانحياز لطرفٍ دون آخر، فقدت كانت يوميّات هرتزل حاضرةً بينَ ما اخترت من الكتب، فهو الحدث الأبرز في هذه الحقبة المليئة بالأحداث السياسية، والحدث الذي لا بدّ أن تقرأ منه قبل أن تقرأ عنه.

المرة الأولى التي خطرت بها فكرة التواصل مع السلطان عبد الحميد الثاني على قلب هرتزل كانت في فبراير ١٨٩٦م حين أوحى له صديقه الصهيوني لاندو أن يوسّطَ مع السلطان صديقه نيولنسكي ناشر "بريد الشرق"

قرأتُ في يوميّاته ما لم أكن أتوقعه أبداً، فأنا كغيري من الناس كنت أظنّ أنّه قدّم عرضاً للسلطان بأخذ فلسطين مقابل تسوية ديون الدولة العثمانية وتم رفضه وانتهى الآمر هكذا، لكنني دهشت عندما لاحظت أنّ هرتزل مرّ بسلسلة طويلةٍ من الأحداث من أجل هذا الهدف الذي حققه من جاء بعده من الصهاينة وماتَ دونه، ولم يكن طلبه فلسطينَ من السلطانِ مرّةً واحدةً فحسب، بل إن الأمر كان مختلفاً عمّا ظننت.

التقى هرتزل سفراء الدول الأوروبيّة وبعض وزرائها وقساوستها مراتٍ لا تحصى، تمهيداً للاتصال بالسلطان العثماني، ومن خلال هذه اللقاءات استطاع بعد عناء طويل جداً لقاء الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني، أو كما يسمى في المصادر العربية غليوم الثاني، وكان هذا اللقاء من أهمّ اللقاءات في حياته، فالإمبراطور فيلهلم كان حليفاً وصديقاً للسلطان عبدالحميد الثاني، ولذا طمع هرتزل بلقائه وعرض عليه مشروعه الصهيونيّ وما يتعرّض له اليهود من قهر وعذاب في المستعمرات الأوروبية ذلك الوقت على حدّ تعبيره، فوعده الامبراطور أن يحدّث السلطان لأجله.

لم يتوقف الأمر هنا بل إنّ طموحات هرتزل دفعته لأن يحاول لقاء القصير الروسي نيكولاي ألكسندروفيتش رومانوف، وفعلاً عقد عدة لقاءاتٍ مع كبار المسؤولين في الامبراطورية الروسية حتى يستطيع الضغط على السلطان من جهة أخرى غير ألمانيا، ولكنّ جميع محاولاته باءت بالفشل، خاصّة في الفترة التي توترت فيها العلاقة بين الروس والعثمانيين، فلم يستطع لقاءَ القيصر الروسي الذي أُعدمَ في ١٩١٧م رمياً بالرصاص.

أيضاً كان على هرتزل أن لا يُهمل أيّ أحدٍ في الأرض يستطيع أن خدمةَ قضيته الصهيونية ولو بالشيء القليل، وعليه فقد التقى رجال أعمال من مختلف دول العالم، وتقرّب بكل ما أوتي من ذكاءٍ بعائلة روتشيلد اليهودية، وحاول أن يستفيد منهم ما استطاع، والتقى ملك إيطاليا وبعض ساستها، وفي هذه الأثناء من العمل على مستوى جميع دول العالم، كانت الرسائل تكتبُ بشكلٍ شبه يومي إلى المسؤولين العثمانيين في قصر يلدز.

المرة الأولى التي خطرت بها فكرة التواصل مع السلطان عبد الحميد الثاني على قلب هرتزل كانت في فبراير ١٨٩٦م حين أوحى له صديقه الصهيوني لاندو أن يوسّطَ مع السلطان صديقه نيولنسكي ناشر "بريد الشرق"، وفي الوقت نفسه كان لهرتزل صديقاً آخراً وهو السياسي البريطاني "صموئيل مونتاجو" أوحى إليه من خلال مقال لنقد كتاب "الدولة اليهودية" في جريدة "الديلي كرونكل" برشوة السلطان عبدالحميد الثاني بمليونيّ جنيه مقابل فلسطين.

أمّا محاولاته في لقاء السلطان فقد كانت الأصعب على الإطلاق، فبدأ عن طريق "ديونس روزنفيلد" رئيس تحرير "البريد العثماني" الذي كان الواسطة بين هرتزل وعزّت باشا المقرّب من السلطان، ثمّ سعى هرتزل عن طريق نيولنسكي ناشر "بريد الشرق" المذكور آنفاً، إلى لقاءات كثيرة تضمّنت كبار الباشوات العثمانيين ورسائل أكثر، وكانت الرشوة بالمبالغ الهائلة هي التي مهدت الطريق إلى هذه اللقاءات، ولم تقتصر الرشوة على العثمانيين فقط، بل كان الجميع مرتشياً، حتى اليهود الذين ساعدوه.

بلغ مجموع محاولاتهِ في لقاء السلطان كما بيّنت يوميّاته سبعةً وعشرينَ محاولة، تنوّعت ما بين نيولنسكي وعزّ بك والصدر الأعظم وجاويد بك وتحسين باشا ونوري بك والأمير البلغاري التابع للعثمانين فرناند ومحمود نديم باشا وڤامبيري، هذا عدا محاولاته مع السلطان نفسه التي بلغت ستّ مرّات حرفيّاً كما كتب هو. أمّا محاولاته مع باقي سياسيي الدول العظمى وملوكها وأمرائها ووزرائها للتوسط له مع السلطان فتعدت الثلاثينَ محاولة. خلال هذه اللقاءات كان هرتزل يتدخل بشكل مباشر لحلّ قضية الأرمن المتوترة في الدولة العثمانيّة تلك الفترة، ومدح العثمانيين في الجرائد في مختلف المناسبات، وحاول استغلال حرب الدولة العثمانية مع اليونان وحاجتها المادية.

يمكن لليهود يُقبلوا ويستقروا في الإمبراطوريّة العثمانية شرط ألا يكونوا جميعاً في مكانٍ واحد، بل أماكن متفرقة تحددها الحكومة، وشرط أن يقرر عددهم مُسبقاً

أوّل خيبات أمله كانت حين قال له نيولنسكي ما مختصره: قال لي السلطان إذا كان هرتزل صديقك بقدر ما أنت صديقي فانصحه أن لا يسير في هذا الأمر أبداً، لا أبيع ولو قدماً واحداً من البلاد، لأنها ليست لي بل لشعبي، ليحتفظ اليهود ببلايينهم فإذا قُسّمت الامبراطورية فقد يحصلون على فلسطين بدون مقابل.

غادر تركيا بعد زيارته الأولى في ١٨٩٦م وفشله في لقاء السلطان، ثمّ عاد إليها بعدما جاءه ڤامبيري بموافقة السلطان عام ١٩٠١م على لقائه ولكن ليس بصفته صهيونيّاً، بل كرئيس لليهود وصحافي نافذ، وحذّره ڤامبيري قائلاً: إياك أن تحدثه عن الصهيونية، القدس مقدسة لهؤلاء الناس مثل مكّة.

اجمتع هرتزل في ١٨-٥-١٩٠١م بالسلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله، وكان الاجتماع كما يقول هرتزل قد تجاوز الساعتين، أصغى فيه السلطان بكل هدوء لجميع أفكار هرتزل التي قدّمها لتسوية الدين العام للدولة وتقوية الاقتصاد العثماني، ولكنّ العجيب جداً في هذا اللقاء الطويل أنّ هرتزل لم يجرؤ على طلب فلسطين صراحةً من السلطان!

اقتصرت محاولاته في طلبها على الرسائل التي كان يرسلها للسلطان وتُقابل بالتجاهل أو بالرفض القاطع عبر باشاواته الذين لا يجرؤون على طلبها من السلطان باسم هرتزل، وإن رغبوا. ورغم استماع السلطان لأفكار هرتزل واستقباله، لكنّ رفضه إعطاء فلسطين وطناً قومياً لليهود جعل هرتزل يكتب عنه بعد اللقاء حرفياً: انطابعي عن السلطان أنّه رجلٌ ضعيف وجبان، ولكنه طيّب القلب، لا أعتبره داهيةً ولا صارماً، بل سجيناً تعيساً ترتكب بطانةٌ طمّاعةٌ رديئةٌ سيئةُ السمعة باسمه أقبح رجس.

طبعاً لم يكن قوله هذا إلا حنقاً على السلطان الذي رفض تحقيق حلمه، ولم ينس هرتزل أن يطلب من أحد الباشاوات أن يقنع السلطان بمنحه وساماً -أيّ وسام- حتى لا يعود صفر اليدين إلى أعضاء الهيئة الصهيونية وحتى يُثبت لقاءه بالسلطان، ولما مُنحَ وساماً كتبَ ما مختصره: بالطبع لا وشاحه الأحمر ولا ماسته الصفراء أثّرت فيَّ أيّ أثر، إنها سياسية فقط!

لم يحظ بلقاء السلطان مرةً أخرى، إنما أُحيل إلى الصدر الأعظم أكثر من مرّة، ومع هذا لم يقطع الأمل وظلّ يرسل للسلطانِ الرسائل والمذكرات اللتي بلغت كاملةً قبل لقاء السلطان وبعده سبعة عشر رسالةً ومذكرة مليئة بالتوسل والتملّق والاستعطاف، وكان آخر ما قاله السلطان لهرتزل ونقله لهُ إبراهيم "المترجم": يمكن لليهود يُقبلوا ويستقروا في الإمبراطوريّة العثمانية شرط ألا يكونوا جميعاً في مكانٍ واحد، بل أماكن متفرقة تحددها الحكومة، وشرط أن يقرر عددهم مُسبقاً، وسيُمنحون الجنسية العثمانية ويسألون عن جميع الضرائب المدنية، بما فيها الخدمة العسكرية، وسيكونون خاضعين لجميع قوانين البلاد كالأتراك تماماً.

طبعاً فلسطين كانت مُستثناةً من هذا كما تُبيّن اليوميّات، وكما قالها له أحد الباشوات صراحةً: تكونون في كلّ مكان تحدده الحكومة باستثناء فلسطين. بلغ الأمر بهرتزل بعدما خاب الأمل أن يطلب فقط تأسيس جامعة صهيونية شريطة أن تكون في القدس، وزعم أنه يريد بها تعليم الأتراك لينفعوا الدولة العثمانية بدل ذهابهم لأوروبا ثمّ معارضتهم لدولتهم فيما بعد، ولكن السلطان رفض حتى منحه مجرد قطعة أرض صغيرة في فلسطين لهذه الجامعة.