مهاتير محمد.. السياسي الذي نحتاجه في عالمنا العربي

الخميس 04 أبريل 2019 03:18 م بتوقيت القدس المحتلة

مهاتير محمد.. السياسي الذي نحتاجه في عالمنا العربي

بقلم المدونة الأردنية: سلام برجاق

أن تخوض في سياسةٍ ما يعني أن تكون على قدرٍ كبيرٍ من المسؤولية، أن تكون صاحب ضميرٍ وقضية، أن تكون المبادىء هي أساسك ومنارة الإهتداء لديك، وليس الخطابات الرنانة التي هي ذات أهمية لكنها ليست أهم من التطبيق الواقعي الذي ينهض بالدولة ويصلح أساسها ويقف أمام كل من يهدد أمنها ومستقبلها.

لم أؤمن يوماً بكل من عُيّن في السياسة وهو في عمرٍ متأخر، كنت أنظر لهم نظرة من يتولون المناصب لأجل المسميات فقط وهم لا يفقهون من السياسة ولم يتجرعوا قوانينها أو يتعلموا كيفية القيادة، لأنه وحسب ما هو متعارف أن كل صاحب منصب هو قائد بالفطرة أو هذا ما يجب أن يكون عليه، يجب أن يستغل قوته وحنكته في مصلحة بلده قبل أي شيءٍ أخر، أما من يستلم تلك المناصب بعمرٍ متأخر فيكون قد تعب نفسياً وجسدياً ولم تُبقي به الحياة ذرة طاقة ليباطح ويصارع ويقاتل السياسيين، والأهم من ذلك كله أنّ السياسة تحتاج إلى نَفَسٍ طويل، ولا أظن أن من وصل السبعين أو الثمانين من عمره قد بقي قادراً على التنفس أصلاً.

أهم ما ميّز مهاتير محمد عن باقي من حكم ماليزيا، هو أمانته في تأدية رسالته، فخيرُ مكان وضع فيه رجلٌ مناسب يعرف كيف تؤدّى الحقوق والواجبات، فلم يلتزم بتأدية واجباته فقط بل إلتزم بعقيدته

ولم أؤمن يوماً أن حب الإنسان وتعلقه بأرضه هو خالص لوجه الوطن والوطنية، بل تأكدت أنّ مهما بَلَغ حب الإنسان مَبْلَغه فإنه ترتبط به مصالح شخصية، فهي مزروعة بالفطرة الإنسانية، أن تعطي فتأخذ، أنّ يكون هنالك مقابل دائماً، وإنّ كان هنالك حبٌ للأرض والوطن فالغالبية يطبقونه بطريقةٍ سلبية، طريقة لا تضمن البحث عن مكنونات الخلل بل تزيد لتنخر وتنتج فجوة أكبر من سابقتها. بقيت أعتقد بهذا الإعتقاد حتى سمعت عن سياسيّ محنك يدعى مهاتير محمد، الذي يُعَد أكبر سياسي مُنتخَب في العالم، استوقفني إسمه كثيراً، وحدثتني نفسي أن أقرأ عن سيرته وإنجازاته، ولن أنكر الصدمة التي أصابتني وقتها، رجلٌ ذكيّ، أقلّ ما يمكن أن يُقال في حقه أنه داهية، ذو سياسة بسيطة وهي مصلحة ماليزيا أولاً ثم يأتي الباقي.

مهاتير محمد الذي بلغ العقد التاسع من عمره هو رئيس وزراء ماليزيا الذي قادها بحربها وسلمها لمدة 22 عام منذ (1981-2003)، نهض خلالها بماليزيا من العدم، دعّم إقتصادها، واستغل صناعاتها، وأشغل الأيدي العاملة حتى أصبحت ماليزيا من أكثر الدول المتقدمة. رفض مهاتير محمد أي تدخل خارجي في سياسات وطنه وأحكم قبضته على من حوله لكي لا يسمح بأي تقصير، استغل ضميره الحيّ الذي نما معه منذ أن كان طبيباً يخصص عيادته لمعالجة الفقراء، فكبرت معه خصلة التضحية في سبيل المحتاجين، فالوطن هو للمحتاجين في المقام الأول، الذي يحتضنهم ويرعاهم ويخاف على مصالحهم كأنها مصلحته، فكان مهاتير هو الوطن للمستضعفين.

ربما أهم ما ميّز مهاتير محمد عن باقي من حكم ماليزيا، هو أمانته في تأدية رسالته، فخيرُ مكان وضع فيه رجلٌ مناسب يعرف كيف تؤدّى الحقوق والواجبات، فلم يلتزم بتأدية واجباته فقط بل إلتزم بعقيدته، ومن أقواله: "أنا أصولي بالمعنى الصحيح للكلمة، بمعنى: إنّني أتّبع أصول ديني ولكن كان الناس يفسرون الدين حسب أهوائهم! فهذه الأفعال الإرهابية المتشددة ليست من أصول الإسلام، كما لم يكن حرق الجماعات المسيحية للناس على الأوتاد من أصول الدين المسيحي. في الواقع إنهم منحرفون عن تعاليم الدين بالكليّة".

كان موقفه واضحاً أمام اقتراحات صندوق النقد الدولي، رفضها رفضاً قاطعاً فلم يقبل أن تُقاد ماليزيا إلى المجهول وأن تحكمها أيدي خفية تستغل ضعفها في المستقبل، كما أنه رفض رفضاً قاطعاً أن تستقبل بلده أي لاعب إسرائيلي ووصفهم (بالدولة المجرمة والمخادعة)، لأن الاحتلال الإسرائيلي لا يحترم القوانين الدولية بل يزيد من استيطانه واحتلاله للأراضي الفلسطينية.

يطول الكلام عن هذه الشخصية الفذّة، ولكن كما تعودنا أنه عندما نذكر محاسن شخصية ما أن نعيد النظر في أنفسنا، وأن نعيد تعريف الوطن في قاموس مصطلحاتنا، فالوطن لم يكُن يوماً مربوطاً بالسياسة والسياسيين فقط، بل الوطن مربوط بالشعوب، الشعوب هي الوطن، لذا علينا أن نؤمن أننا إن أردنا أن ننهض بأوطاننا فعلينا أن ننهض بأنفسنا كما فعل مهاتير محمد الذي سطّر معنى الوطنية بأسمى معانيها.