عيد الفصح في الأرض المقدسة

الخميس 25 أبريل 2019 10:34 ص بتوقيت القدس المحتلة

عيد الفصح في الأرض المقدسة

بقلم المنسق العام للمبادرة المسيحية الفلسطينية: رفعت عودة قسيس

بالنسبة لمسيحيي الأرض المقدسة، يعتبر عيد الفصح أهم يوم من الأيام المقدسة المسيحية لديهم، بل انهم يطلقون على عيد الفصح "العيد الكبير" بينما يطلقون على عيد الميلاد "العيد الصغير". ويعتبر يوم السبت الذي يسبق أحد الفصح ذروة احتفالات وصلوات الأسبوع المقدس في فلسطين المحتلة، حيث أن سبت النور هو تقليد من تقاليد الكنيسة الأرثوذكسية الذي يعلن نهاية الصوم الأربعيني.

وحسب التقاليد، يشهد يوم السبت من كل عام ظهور النور من قبر السيد المسيح في كنيسة القيامة في القدس. ويتم الاحتفال بظهور النور بإيقاد الشموع من شعلة النور القادمة من القدس والتي يتم نقلها من بلدة لأخرى ومن قرية لأخرى في فلسطين وخارجها. وبالرغم من أن سبت النور هو من الطقوس والتقاليد الأرثوذكسية، إلا أن المسيحيين من كافة الطوائف شاركوا، على مدى الأجيال، فيما اعتبروه دائما احتفالا جماعيا بارزا للمسيحيين في فلسطين.

لا يشعر الفلسطينيون اليوم بأن احتفالاتهم الدينية والثقافية والروحية هي فقط التي تتعرض للهجوم، بل يشعرون بالتهديد يطال جوهر وجودهم كذلك

تحت الاحتلال الإسرائيلي اليوم، يتمكن بضع مئات من الفلسطينيين فقط من الوصول إلى كنيسة القيامة للمشاركة في احتفالات سبت النور. إن غالبية الفلسطينيين المسيحيين لم يروا قط "فج" النور وذلك ليس نتيجة لعدم اهتمام من قبلهم بل لأن إسرائيل تفرض قيودها علينا، وتحديدا على الشباب، من حيث الدخول إلى مدينة القدس. القدس هذه المدينة المقدسة لجميع المسيحيين في ارجاء العالم، مكان صلب المسيح وقيامته، مهد المسيحية نفسها، وموقع الكنيسة الأولى.

كطفل صغير ما زلت أذكر رحلاتنا مع أبي من قريتنا بيت ساحور إلى المدينة المقدسة حيث كانت الرحلة تستغرق عدة ساعات نتيجة لوجود ما كان يسمى "منطقة الحرام" التي فرضت علينا عندما أنشأت إسرائيل في العام 1948، بشكل أجبرنا على سلك طريق آخر، أبعد ثلاثة أضعاف تقريبا عن الطريق الاعتيادي. وبالرغم من الزمن الطويل وتعب الطريق إلا أننا كنا ننتظر الرحلة التي تليها بفروغ الصبر.

أما اليوم، فأنا لا أستطيع زيارة القدس على الإطلاق، بسبب كوني على قائمة إسرائيل "الأمنية" بحيث تحرمني السلطات الإسرائيلية من الحصول على تصريح لزيارة القدس. أما ابني، وعمره 35 عاما، وقد جال وسافر وزار أكثر من نصف دول العالم، إلا أنه لم يزر القدس بعد.

قصتنا هذه ليست فريدة من نوعها، حيث يتوجب على الفلسطينيين والذين يعيشون على بعد بضع كيلومترات فقط من القدس استجداء تصاريح زيارة لها وتحمل عمليات التفتيش المذلة والعبور عبر الجدران والحواجز العسكرية للوصول إليها بينما يستطيع أي حاج من ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية أو البيرو استقلال الطائرة والقدوم إلى القدس للاحتفال بعيد الفصح فيها. بالنسبة لمعظم الفلسطينيين- مسيحيين كانوا أو مسلمين- تظل القدس المدينة الأحب على قلوبهم والمدينة التي يزورونها قليلا.

كبادرة "حسن نية" وخلال الأعياد، تمنح السلطات الإسرائيلية التصاريح لبعض الفلسطينيين من الضفة الغربية المحتلة ومن قطاع غزة المحاصر للدخول للقدس للصلاة فيها. لكن كيف يمكن اعتبار إجبار الناس على التقدم بطلب تصريح للصلاة في المدينة الأكثر قدسية خلال الفترة الأقدس بالنسبة لهم؟ وأي بادرة حسن نية هذه التي يتم خلالها تحويل المدينة المقدسة إلى ثكنة عسكرية؟ وزد على ذلك وفي خضم الاحتفالات بعيد الفصح، تنشر القوات الإسرائيلية الحواجز منذ ساعات الصباح الباكر في ساحة كنيسة القيامة وتهدف من خلال ذلك لإبقاء الناس بعيدا عن الكنيسة وهي المكان الأقدس والأكثر محورية بالنسبة لصلب المسيح وموته وقيامته.

وينتشر الضباط والجنود الإسرائيليون حول بوابات البلدة القديمة وممراتها المؤدية إلى كنيسة القيامة بالإضافة إلى تواجدهم داخل الكنيسة نفسها وعلى سطحها. هذه التدابير والإجراءات تحد من حرية الحركة بالنسبة للفلسطينيين وتمنع المسيحيين الفلسطينيين من أداء طقوس العبادة والصلاة داخل الكنيسة خلال هذه الفترة المقدسة وتحد من حقهم في العبادة. ويتعدى الأمر المسيحيين الفلسطينيين ليشمل رجال الدين والرهبان والراهبات بحيث تحد إسرائيل أيضا من حرية حركتهم.

لا يشعر الفلسطينيون اليوم بأن احتفالاتهم الدينية والثقافية والروحية هي فقط التي تتعرض للهجوم، بل يشعرون بالتهديد يطال جوهر وجودهم كذلك. لا عجب اذن، إن العديد من الفلسطينيين يصفون تجربتنا في العيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي والمعاناة التي نكابدها على أنها تشبه "السير على درب الآلام" أو "درب الصليب". إلا ان درب الصليب هذا ليس مقتصرا على أسبوع الالام المقدس ولكنه متواصل ومستمر منذ 70 عاما. أما محطات درب الصليب هذا فتشمل الحواجز العسكرية والتصاريح ومخيمات اللاجئين والحصار وهدم المنازل والاعتقال الإداري بدون محاكمة والقصف اليومي لغزة وحصارها. ما زال الفلسطينيون حتى يومنا هذا يسيرون على درب الصليب هذا وينتظرون بقلق وترقب ولهفة يوم القيامة- اليوم الذي يرون فيه الحجر الذي يغلق "قبر" الاحتلال يتدحرج بعيدا.

رسالة الفصح والقيامة أن أولئك الذين حررهم الله لا يمكن لأحد أن يعاملهم أو يجعلهم عبيدا خاضعين. لكن هذا هو ما يحدث تماما اليوم في فلسطين المحتلة. إسرائيل تطالب الشعب الفلسطيني بان ينسوا حريتهم ويتركوها تموت حتى يتمكن الإسرائيليون من العيش. في الأراضي المقدسة- بلد القيامة- نرى إسرائيل تصر على الأمن والعدالة والسلام لنفسها وحسب وتحاول تحقيق ذلك من خلال ظلم واحتلال مجموعة أخرى من الناس ونرى بشرا يعيشون على حساب بشر آخرين.

لقد مات السيد المسيح وقام من بين الأموات ليمنح الحياة للجميع، ليمكن الجميع من الانتصار على الموت وأن يصبحوا صناع حياة وعدالة وسلام لأنفسهم ولشعوبهم ولكل شعوب الأرض. إن حرية شعب ما لا يمكن أن تتحقق من خلال قمع شعب آخر. لا يمكن بناء وتحقيق امن وسلام إسرائيل على حساب امن وكرامة وسلام الفلسطينيين. يجب أن ينتهي الاحتلال والأبارتهايد المفروض على الحياة الفلسطينية حتى يتمكن كل من الإسرائيليين والفلسطينيين من العيش كبشر ينعمون بالمساواة والكرامة.