كيف يمكن للنجاح أن يكون في متناول الجميع؟

الإثنين 29 أبريل 2019 12:41 م بتوقيت القدس المحتلة

كيف يمكن للنجاح أن يكون في متناول الجميع؟

بقلم الناقد الأدبي: موسى أبو رياش

يختلف مفهوم النجاح من إنسان لآخر، ومن مجتمع لآخر، وتتحكم في ذلك عوامل وظروف كثيرة، فما يعتبر نجاحاً عند إنسان، قد يكون متاحاً ومتوفراً عند آخر، وما يكون حلماً في مجتمع ما، قد يكون واقعاً معاشاً في مجتمع آخر. ولكن النجاح بشكل عام، هو أن يحقق الإنسان ما يصبو إليه ويحلم به سواء أكان قريباً أم بعيداً، صغيراً أم كبيراً، خاصاً أم عاماً، وهو غالباً مرتبط بأهداف محددة واضحة، فلا نجاح دون نهاية متصورة أو نتيجة متوقعة. ومن المؤسف أن مجتمعنا العربي يفتقر إلى ثقافة النجاح، وتطغى عليه ثقافة التنافس الأقرب إلى الافتراس، أو النجاح الفردي على حساب النجاح الجماعي، ولن تتقدم مجتمعاتنا حقيقة وتتكاتف إلا بترسيخ ثقافة النجاح لأنها الأرضية الصلبة لأي تطور أو إصلاح أو رقي منشود، ومن أجل ذلك، أطرح بعض الأفكار التي قد تعدل المسار:

قصص النجاح

لا يخلو جانب أو مجال أو عمل من قصص نجاح مميزة ونوعية، تستحق أن تُنشر وتُبرز وتُسوق؛ ليطلع عليها الآخرون، وهذا من شأنه تحفيز هؤلاء وإثارة هممهم وشهيتهم للسعي للنجاح والتميز، فالنجاح مُلهم، وقد تؤدي قصة نجاح بسيطة إلى ملحمة نجاح عظيمة مؤثرة، كما أن نشر قصص النجاح تحفيز وتشجيع لأصحابها واحتفاء بتميزهم، مما يدفعهم للمزيد، والإرتقاء إلى مستويات أعلى من النجاح. ومن الجميل أن تقوم كل جهة أو قطاع بالاحتفاء بقصص النجاح وتكريم أصحابها، ونشرها إعلاميًا عن طريق فيديو أو كتاب أو صفحة في صحيفة أو من خلال المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي، كما ينبغي على الناجحين أنفسهم أن يبادروا بنشر قصص نجاحهم ليتشاركها الناس، مع ضرورة أن تكون قصص النجاح حقيقية وتشكل قيمة مضافة.

التخطيط منهج حياة

بما أن الفشل متوقع في طريق النجاح، فلا بد أن يتحمل السالك مسؤولية الفشل، وعدم تبريره بتدخل الآخرين ومؤامراتهم وعقباتهم، لأن تدخل الآخرين متوقع

أي حياة بدون أهداف واضحة ومحددة حياة خاوية لا قيمة لها، وإنسان بلا أهداف مجرد رقم أو إنسان هامشي لا قيمة له، والأهداف على مستويات: قصيرة المدى، ومتوسطة المدى، وبعيدة المدى، ولكل زمنها المحدد. ولا يشترط أن تكون الأهداف عظيمة أو كبيرة أو معقدة، بل المهم أن يحدد المرء أهدافاً يسعى لتحقيقها بعزم وإصرار وإرادة لا تلين، ويضع لها إجراءات وسبل لتحقيقها، مع ضرورة تجزئتها عند اللزوم، ومراجعتها بين الحين والآخر، وإعادة النظر فيها أو إجراءاتها عند حدوث أي خلل.

الفشل خطوة في طريق النجاح

يجب أن يكون واضحًا في ذهن من يروم النجاح، أن النجاح ليس سهلًا في متناول اليد، وأن طريق النجاح غير معبد، بل مليء بالأشواك والعثرات والصخور والعقبات، فعلى من يبتغي النجاح أن يشق طريقه بنفسه وإن بأظافره، ولا يعتمد أو يركن إلى غيره، وليعلم أن الطريق المفروش بالورود لا يؤدي للنجاح بالضرورة، بل قد يكون للهاوية أقرب. وعليه أن يكون على يقين أن الفشل خطوة مهمة في طريق النجاح، لأن الفشل لا يعني نهاية الطريق، بل كل فشل هو درجة مهمة في سلم النجاح، ويزيد مناعة المرء وصلابته، فلا يحبط الإنسان، بل ليصمم أن يبلغ هدفه، وليكن له في أديسون القدوة الحسنة، الذي صُنَّفَ فاشلًا من معلمه، فقد حاول أكثر من ألف مرة حتى اخترع البطارية الكهربائية، لم يعتبر محاولاته فشلًا، بل اعتبرها طرقًا غير مناسبة، وحصد في حياته براءة ألف اختراع.

وبما أن الفشل متوقع في طريق النجاح، فلا بد أن يتحمل السالك مسؤولية الفشل، وعدم تبريره بتدخل الآخرين ومؤامراتهم وعقباتهم، لأن تدخل الآخرين متوقع، وما لم يُؤخذ في الحسبان، فهو قصور في التخطيط. وليعلم أنه بالإصرار والعزيمة والمثابرة والصبر والشجاعة والمرونة والتغذية الراجعة ونقد الذات وعدم استعجال قطف الثمار، والحذر من رفع راية الاستسلام، سيصل إلى مبتغاه مهما كان بعيد المنال، وطريقه وعر متعرج. ومن طرائف القصص التي تروى في هذا السياق أن رجلًا اشترى قطعة أرض في الغرب الأمريكي للبحث عن الذهب، وبعد أيام من الحفر، عثر على عروق الذهب التي أخذت تتزايد باستمرار، وجمع ثروة كبيرة من تتبع عروق الذهب. وبعد فترة قلت عروق الذهب إلى خيوط لا تستحق الحفر والتنقيب، فباع الأرض بثمن بخس. أما المشتري الجديد، فقد استأنف الحفر، وبعد أيام، ازدادت عروق الذهب ثخانة، واستمر يحفر والعروق تزداد، فجمع ثروة عظيمة تفوق ما جمعه سلفه بأضعاف مضاعفة.

النجاح في متناول الجميع

النجاح ليس حكرًا على أحد، ولا فئة دون أخرى، فهو متاح وممكن لكل من يحاول بجدية، ولا حجة لأحد أن يتذرع بأي شيء، وليسأل كل نفسه: ما الذي يحول بينه وبين النجاح؟ وسيجد أن كل الأسباب وهمية، لا تصمد أمام الإصرار والعزيمة، وأن لا عمر محددًا لبدء طريق النجاح، فكل لحظة تصلح لأن تكون نقطة بداية وانطلاق. ومع أن النجاح في متناول الجميع، لكنه لا يُورث ولا يُقلد، ولكن يُحاكى، فلا يعتمد من ينشد النجاح على نجاح أبيه أو أخيه، ولا يحاول أن يقلد الناجحين، فالنجاح لا يُستنسخ، ولكن عليه أن يُحاكي أعمال الناجحين بما يتوافق مع هدفه وشخصيته وظروفه.

وفي المقابل، فإن للنجاح عدوى محببة، قد يروق للبعض، فيسعى لنجاحه الخاص، فهو ليس أقل ممن نجح، ويملك القدرات والإمكانات التي توصله إلى ما يريد. إن النجاح أن يعمل المرء ما يحسن ويحب، فكل خلق لما هو ميسر له، ومجالات النجاح كثيرة، وليس شرطًا النجاح فيها كلها، فقد ينجح المرء في العمل، ويفشل أسريًا، وينجح في الجامعة، ويفشل في العمل، فالنجاح في مجال لا يعني نجاحًا في مجال آخر، ولكن على الإنسان أن يسعى لتجنب الفشل، أو التقليل من آثاره قدر المستطاع.

النجاح الجماعي والنجاح الفردي

النجاح الفردي مطلوب، والنجاح الجماعي مطلوب أيضًا، ولكن النجاح الجماعي هو ما يُعوَّل عليه في بناء الأوطان والارتقاء بها، وإن لم يكن النجاح الفردي جزءًا من النجاح العام أو مكملًا له، ومدماكًا في بنائه، فقد يكون حجر عثرة وعائقًا في طريقه. والنجاح الفردي المستقل إذا كان مقصودًا، فهو أنانية ونرجسية، وربما يكون ضرره أكبر من نفعه. والنجاح الجماعي لا يعني نجاح القائد فقط دون الفريق، فهذا ليس نجاحًا، فالمطلوب نجاح القائد بالفريق لا نيابة عن الفريق. ونجاح المؤسسة لا يتحقق إلا بجهد الجميع، ولذا يجب أن يكون للجميع حظ من النجاح، وأن يشعروا أنه لهم جميعًا، ولا تستأثر به فئة أو مجموعة عن أخرى.

مشاركة النجاح

مشاركة النجاح، من أهم طرق ترسيخ ونشر وتعميق ثقافة النجاح، فالأصل في الإنسان الناجح الذي يهدف أن يكون نجاحه في خدمة بلده، أن يشرك غيره بنجاحه في جزء أو مرحلة من مشروعه، بهدف نقل المعرفة لهم، وتأهيلهم لخوض مشروعهم الخاص. كما يمكن أن ينقل معرفته إلى غيره عن طريق التدريب والإرشاد، واكتشاف نقاط القوة والضعف، والتشجيع والتحفيز، ودعمهم في التخطيط لمشاريعهم، ومتابعتهم حتى يصلوا إلى سكة النجاح.

النجاح عمر وليس مرحلة

الإنسان الناجح تكون حياته كلها مسيرة متواصلة من النجاح أو في الطريق إليه، فالنجاح لا قمة ولا نهاية له، بل سلسلة لانهائية من الدرجات، كل درجة تُسلم إلى درجة أعلى. والنجاح الحقيقي لا يؤمن بالقمم أو يهدف الوصول إليها، لأن الوصول إلى القمة يعني بداية الانحدار، بالإضافة إلى كونه أنانية وفردانية لا تحتمل الشراكة، ولكن النجاح درجات رحبة تتسع للجميع، وتكبر وتتمدد كلما كثر عدد الناجحين. ومن أخطر ما يتهدد الناجحين، الركون إلى النجاح في مرحلة ما، لأن الركون إلى النجاح فشل، فعلى الإنسان أن يسعى إلى النجاح ما دام فيه نَفَس، ولا يكتفي بمرحلة معينة، أو فترة محددة، أو هدف ما، فالنجاح له نقطة بداية، ولكن لا يعترف بالنهايات!

إن نشر وإشاعة ثقافة النجاح مسؤولية الآباء والمعلمين والمسؤولين ووسائل الصحافة والإعلام على اختلافها، وكل من يملك قوة التأثير؛ لأن من شأن هذه الثقافة أن تشكل وعيًا مجتمعيًا كبيرًا، يساهم في إحداث نقلة كبيرة، وتغيير نوعي في سلوكيات الناس وأخلاقياتهم، ويتحول المجتمع من التنافسية والتسابق والأنانية، إلى التشاركية والتآزر والمساندة والدعم، ويغدو نجاح أي فرد نجاح للجميع، وكل قصة نجاح مصدر إلهام وتحفيز.