المستقبل.. حرب لا تسيل فيها الدماء

الإثنين 29 أبريل 2019 12:44 م بتوقيت القدس المحتلة

المستقبل.. حرب لا تسيل فيها الدماء

بقلم المدونة: أمنة مضر

هناك حاجة دائمة لتنظيم العلاقات بين البشر في العالم "الواقعي" لحفظ امنهم وحماية ممتلكاتهم من الانتهاكات، وتنطبق تلك الحاجة علي العالم "الافتراضي"، حيث دفع التطور التكنولوجي العالم لمزيد من الانفتاح واتساع الحيز العام، فاستطاع الناس التغلب على الحدود الجغرافية ببناء علاقات افتراضية عبر شبكة الانترنت، لكن يكمن الاختلاف في العلاقات السياسية والدولية، ومن هنا أصبحت الحاجة للأمن الالكتروني أولوية، لاعتماد الإنسان والمجتمع والدول على الوسائل التكنولوجية لتيسير كل أمورهم.

"أمن العالم الافتراضي" و"أمن السايبر" و"حرب إلكترونية" و"جريمة إلكترونية" مصطلحات جديدة تدور بين أنظمة الدول والجماعات لتعطي شكلاً غير تقليدي للحرب، فسلاحها ليس بالمعدات العسكرية المحسوسة ونتائجها ليست بزيادة أعداد القتلى، حرب لا تسيل فيها الدماء لكنها لا تقل خطورة عن الحرب التقليدية بالأسلحة. الحرب الإلكترونية "السايبيرية" يُستخدم من قبل أفراد مختصون يطلق عليهم اسم "قراصنة" أو "Hackers" ويكون للإشارة إلى أساليب ووسائل القتال التي تتألف في الفضاء الإلكتروني، حيث يهاجم "القراصنة" الملفات والمواقع التي تخص الآخرين، وبذات الوقت يدافع الناس عن معلوماتهم ببرامج وطرق عدة.

نفذت حركة "حماس" على وجه الخصوص العديد من الهجمات الإلكترونية ضد إسرائيل، وكشفت عن أحدث هجوم نفذته ضد نظام مراقبة يتبع للجيش وفق ما أفادت الصحيفة الإسرائيلية

ارتباط الدولة ومرافقها الحيوية بالتكنولوجيا الرقمية هي أحد العوامل لتحديد مقدار الدمار الذي يمكن أن تلحقه حرب إلكترونية، فعندما يهاجم نظام المعلومات المالية لدولة ما وسرقة الحسابات المالية، أو التلاعب بها أو حذفها، ينتج عن ذلك تعطيل لأنظمة الصرف الآلي والحوالات البنكية، وهذا ما حدث قبل أشهر معدودة قامت مجموعة من "الهاكرز" السعوديون بمهاجمة أنظمة الحواسيب المالية الإسرائيلية مسببة أكبر عملية تسرب معلوماتي للبيانات المالية، حيث تم نشر معلومات سرية عن حوالي 400 ألف اسرائيلي من حاملي بطاقات الائتمان المصرفي مما سبب ارتباك في النظام المصرفي الإسرائيلي وزعزعت الثقة ببطاقات الائتمان ومحاولة جعلها غير موثوقة في العالم كالبطاقات النيجيرية.

سلاح جديد في يد المقاومة

لم تقتصر المقاومة الفلسطينية في مهاجمتها للعدو على امتلاك الأسلحة فقط إنما دخلت مجال "حرب السايبر" خلال السنوات القليلة الماضية، ضمن أسلوب جديد لمحاربة "إسرائيل" وإلحاق أكبر قدر ممكن بأنظمتها الرقمية أو بث رسائل دعائية للمجتمع الإسرائيلي، أو الحصول على معلومات سرية تستغلها لتهدد بها أمن إسرائيل. خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة في العام 2014، نفذت حركة "حماس" على وجه الخصوص العديد من الهجمات الإلكترونية ضد إسرائيل، وكشفت عن أحدث هجوم نفذته ضد نظام مراقبة يتبع للجيش وفق ما أفادت الصحيفة الإسرائيلية.

وقالت صحيفة "إسرائيل اليوم" إن الهجوم يستهدف مراقبة تحركات الجنود الإسرائيليين في مناطق الضفة بهدف تنفيذ هجمات ضدهم، ومنعهم من جمع المعلومات عبر كاميرات المراقبة المنتشرة بأنحاء الضفة وإعاقة قدرة الجيش على الاستعانة بنظام مراقبته لإحباط العمليات الفلسطينية ضد الأهداف الإسرائيلية، وزعمت أن الجيش أحبط الهجوم. وكشف جهاز الأمن العام الإسرائيلي في يناير لعام 2017 بحسب الإذاعة الإسرائيلية العامة عن اختراق المئات من أجهزة الاتصالات الخلوية لجنود بالجيش الإسرائيلي والتنصت على مكالماتهم ورسائلهم وأخذ المعلومات السرية من قبل خلية تابعة لحركة "حماس". وبعد أيام على الهجوم، كشفت صحيفة "هآرتس" العبرية عن أن قيادة الجيش الإسرائيلي رصدت في الآونة الأخيرة محاولات من قبل حركة حماس للحصول على معلومات سرية من جنود الجيش عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

قالت المصادر وفق "هآرتس" أنه تم ضبط عشرات الأسماء المستعارة عبر مواقع التواصل لفتيان هن بالأصل عناصر تتبع لحماس، تمكن من التحدث مع الجنود النظاميين والاحتياط واختراق هواتفهم الخلوية بفيروسات وبرمجيات خطيرة. كما نجحت المقاومة خلال الحرب باختراق قنوات تلفزيونية إسرائيلية من بينها القناتان "العاشرة" و"الثانية" وبثت عبرها رسائل تحذيرية للمجتمع الإسرائيلي. ولا سيما أنها أنزلت طائرة إسرائيلية كانت تحلق بأجواء غزة حصلت من خلالها على معلومات وصور كانت تلتقطها.

جهود منظمة

قال المتخصص بمجال التكنولوجيا بسام مهنا إن الهجمات الإلكترونية التي نفذتها المقاومة الفلسطينية ضد الأنظمة الرقمية خلال السنوات القليلة الماضية أثبتت القدرات التكنولوجية العالية التي تتمتع بها. وأشار إلى أن نوعية الهجمات الإلكترونية الفلسطينية التي نُفذت أنها على قدر عالي من التخطيط الدقيق. ويقول "لن ينجح شخص بمفرده في اختراق نظام مراقبة للجيش الإسرائيلي أو اختراق بث قنوات فضائية إسرائيلية وتوجيه رسائل معينة أو اختراق أجهزة خلوية لجنود إسرائيليين لأن ذلك يحتاج إلى خبرات وجهود متناسقة من عدة أشخاص". ويحذر مهنا من القدرات التكنولوجية العالية بإسرائيل وأنها ستكون عقبة كبيرة أمام تحقيق المقاومة انجازات مهمة في هذا المجال في ظل تشكيل وحدات إلكترونية منظمة بالجيش الإسرائيلي لإحباط هجمات المقاومة وتنفيذ هجمات مضادة.

المقاومة الفلسطينية تسعى عبر هجماتها الإلكترونية إلى اختراق قواعد البيانات الإسرائيلية للحصول على معلومات سرية وأنها تحاول اختراق أنظمة الرقابة لتطلع من كثب على طبيعة سير الحياة داخل إسرائيل. في المقابل من الممكن أن ينعكس تطوير المقاومة الفلسطينية لقدراتها التكنولوجية مستقبلاً على نوعية وكمية هجماتها المباشرة ضد إسرائيل حيث ستزداد هذه الهجمات ويتسع نطاقها في حال استجابة المقاومة لتحديات ومتطلبات الدخول في عالم الحرب الإلكترونية بشكل مؤثر.