إهانات ترامب تجاه العرب هل هي ضمن خطة محكمة؟

الثلاثاء 30 أبريل 2019 06:50 م بتوقيت القدس المحتلة

إهانات ترامب تجاه العرب هل هي ضمن خطة محكمة؟

بقلم الكاتب والمدون الأردني: بشار طافش

بالأمس حاولت أن أمنع نفسي عن الكتابة حول هذا الموضوع، خاصة وأنني كتبت عنه من قبل، لكن لم أستطع، ذلك فحال هذا البلد العربي بات يؤلم قلوبنا ويرهق عقولنا، دونالد ترامب الرئيس الأمريكي الذي يعاني عزلة شديدة يبدو أنه تعوّد على الحديث عن ذاك البلد العربي المسكين بشكل مهين متقصدا ابتزاز زعيمه ومَن هم حوله وللمرة الرابعة، يبدو أنه غالبا ما لا يجد أفضل من ذلك لكسر عزلته تلك، والغريب في الأمر أن هذا البلد المسكين يكرر سكوته على هذه الإهانة كما فعل مع الإهانات السابقة، لا بل كان حديث ترامب هذه المرة عبارة عن تطاول صريح وواضح على زعيم هذا البلد العربي الكبير.

الأغرب من ذلك عزيزي القارئ أن هذا البلد تمرس كثيرا في استخدام المال لاستمالة الصحافة والصحفيين الغربيين تجاهه وأصبح لديه خبرة كبيرة في شراء أقلام هؤلاء الصحفيين حتى الكبار منهم، ويملك أيضا أضخم جيش من الذباب الالكتروني، بل هو من صدر فكرة الذباب الالكتروني لكثير من الأنظمة حوله، لكن لا رد للآن على إهانة ترامب الأخيرة ولا حتى من ذبابة طائشة.

أمريكا تخطط الآن بجدية للتخلي تماما عن نفط هذا البلد من خلال تطوير صناعة استخراجه لديها وتنويع مصادره، فأمريكا كإدارة بغض النظر عن ترامب تسعى حاليا من خلال تطوير صناعة استخراج النفط

كلنا قرأنا وسمعنا الكلام البذئ والمهين والإستعلائي الذي كرره ترامب خلال خطاب ألقاه أمام أنصاره في ولاية وينسكونسن الأمريكية قبل يومين بحق هذا البلد المسلم العربي الكبير وزعيمه، ولا أملك أن أذكره الآن، لكن لماذا يكرر هذا الرئيس المتعجرف كلامه وإهاناته كل فترة من الزمن؟ هل بالفعل من أجل كسر عزلته وتحريك مشاعر أنصاره؟ هل أنه لا يجد ما يقوله أمام أنصاره المتحمسين لسماع خطاباته غير المسؤولة سوى التطاول على هذا البلد ونظامه؟ الغريب في الأمر أعزائي أن ترامب هذا يُقِر بالإستفادة الهائلة التي تستفيدها الميكنة العسكرية الأمريكية من هذا البلد من خلال إبرام صفقات سلاح بمئات المليارات من الدولارات، ويقر أيضا بأنه لا يستغني عن إبقاء العلاقة قوية مع هذا البلد، ثم يأتي على إهانته بهذا الشكل المخزي، لماذا؟ هل لأن هذا البلد المسكين ساكت ومكبر دماغه؟ ولماذا السكوت أصلا؟!

بصراحة، نحن نطالب هذا البلد بأن يرد وبأن يتحرك من أجل أن يوقف ترامب عند حده، فخطابات ترامب هذه باتت تستفزنا نحن العرب بشكل كبير ولا نقبل على أنفسنا بأن نسكت على إهانة هذا البلد، أنا شخصيا لا أؤيد الكثير من سياسات الأخير وهذا لا يعني أيضا أنني لا أتفق مع سياسات أخرى، بغض النظر نحن نشعر بالإهانة حين يتفوه ترامب بهذا الكم الهائل من البذائة بحق هذا البلد العربي الكبير، ولماذا السكوت أصلا يا أيها البلد؟! فأمريكا تقبض المال نقدا مقابل هذه الحماية التي تقدمها لكم والتي يتحدث عنها ترامب بفجاجة، ولا فضل في ذلك أبدا، وبما أنك تحميني مقابل المال فهذا يعني أن بيننا مصالح مشتركة ولا يحق لك بأن توجه لي الإهانة تلو الأخرى، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تحمي مصالحها الإستراجية في المنطقة العربية ككل من خلال حمايتها لهذا البلد ونظامه، إذا لا تحميه فقط مقابل الحصول على المال، وهذا يعني أن الفائدة التي تجنيها من وراء هذه الحماية أكبر بكثير من الفائدة التي يجنيها هذا البلد.

إنه لأمر غاية في الغرابة والغباء وبعيد كل البعد عن الحصافة السياسية حين يُقْدم رئيس أمريكي على إهانة هذا البلد الذي يعتبر من أكبر حلفائه في الشرق الأوسط، فهذا البلد حمى إسرائيل، وقام بدور هائل في هذا المجال باعتراف ترامب، وهي أكبر بلد عربي يدعم صفقة القرن ويروج لها، غريب! ألا يخاف ترامب من تعريض كل ذلك ومصالح بلاده الإستراتيجية إلى الخطر من خلال تلفظه بتلك الإهانات بحق بلد بهذه المواصفات؟! لو تم الرد الفوري والمناسب على إهانات ترامب المتكررة لأشعره حينها بأن مصالح بلاده باتت في خطر وصفقة القرن وإسرائيل أيضا، وعند إذ سنجد نهاية لصبيانية ترامب المخزية تجاه هذا البلد وباقي العرب.

في الحقيقة أعجز عن إيجاد أي تفسير لتصرفات ترامب تجاه هذا البلد، وأعجز أيضا عن إيجاد تفسير لصمت الأخير على الإهانات المتكررة، هل هذا الصمت نابع من خوف هذا البلد من فقدان أكبر الحلفاء لديه، بينما فقد ويفقد عمقه العربي بعد أن تنصل من قضايا الأمة العربية والإسلامية؟ ليس من مصلحتنا نحن العرب أن يشعر هذا البلد العربي بذلك الشعور، بينما يزداد اليهود من خلال كيانهم تطاولا على الأمة العربية كاملة مع وجود الدعم الهائل من ترامب وإدارته ومنحهم القدس والجولان والتلميح على ضم الضفة الغربية، والدفع الهائل تجاه تنفيذ بنود صفقة القرن، وربما يتجرأ غدا للمطالبة بأملاك بني قريضة هناك في هذا البلد تمهيدا لإقامة إسرائيل الكبرى التي يتزايد الحديث عنها اليوم في ظل هذه الأوضاع العربية المزرية والمخزية غير المسبوقة.

هل هذا هو هدف ترامب من توجيه هذه الإهانات فجأة ودون مناسبة إلى هذا البلد؟ هل يسعى بالفعل لتدمير هذا البلد الذي وضع كل مصالحهه بيد أمريكا متخليا تماما عن عمقه العربي من أجل انتظار اللحظة المناسبة للإنقضاض عليه وتدميره ومن ثم تدمير العرب؟ هل يتفق ذلك مع الحديث المتزايد داخل دولة الكيان عن إقامة إسرائيل التوارتية من النيل إلى الفرات؟

لقد آن الأوان لهذا البلد بأن يوقف ترامب عند حده من خلال العودة إلى عمقه العربي مجددا، وأن يعود للذود عن قضايا الأمة الأساسية، وأن يسعى بجدية للتخلي عن الغطاء الأمريكي الخادع، وأن يبدأ بالتخطيط الفعلي والحقيقيي لخلق إقتصاد منتوع بعيدا عن اقتصاد الخام، لقد جعلت أمريكا ما نسبته 95 بالمئة من الناتج القومي الإجمالي لهذا البلد من إيرادات النفط وهو أمر وضعها في هذه المكانة السيئة التي كان مخطط لها أن تصل إليها، لماذا نجحت إيران في خفض نسبة إيرادات النفط من الناتج القومي الإجمالي إلى 45 بالمئة فقط؟ إيران العدو المحتمل لذاك البلد العربي الذي حول بوصلته نحوه بعيدا عن القدس بتحريض من أمريكا وإسرائيل.

أمريكا تخطط الآن بجدية للتخلي تماما عن نفط هذا البلد من خلال تطوير صناعة استخراجه لديها وتنويع مصادره، فأمريكا كإدارة بغض النظر عن ترامب تسعى حاليا من خلال تطوير صناعة استخراج النفط ونتويع مصادره إلى تقليل أهمية هذا البلد لديها كمصدر كبير للنفط، وبالتالي التخلي عن حمايته ودعمه كحليف استراتيجي في المنطقة، فالنفط تنخفض أهميته كسلعة استراتيجية بالنسبة لأمريكا يوما بعد يوم، وتعلم الإدارة الأمريكية مالهدف المرجو من وراء ذلك حين يتم تدمير هذا البلد إن حصلت مواجهة مباشرة بين إيران وأمريكا من أجل مصالح دولة الكيان الصهيوني، وعلى هذا البلد العربي أن يدرك الآن هذه الحقيقة التي باتت واضحة تماما من خلال إهانات ترامب المتكررة.