القرآن.. دليلك إن تهت في الآفاق!

الأحد 12 مايو 2019 05:15 م بتوقيت القدس المحتلة

القرآن.. دليلك إن تهت في الآفاق!

بقلم المدوّن الجزائري: خليل الزاوي

قبل أربعة عشرة قرنا وفي غار حراء نزلت أوّل آيات الوحي على النّبي المصطفى، فكان نورا ورحمة لمن اهتدى، إذا مررت بوقت عصيب ضاقت فيه الأرض وأطبقتِ السّماء افتح مصحفك وقف عند قوله تعالى: "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" سورة الشرح: 6-5. إذا اشتدّ الكرب فانتظر الفرج، إنه وعد الله لعباده المؤمنين المتمسّكين بحبله المؤتمرين بأمره السّائرين في طريقه، أمره بين الكاف والنون يقول للشّيء كن فيكون، أحزانك التي حرمتك النّوم في اللّيل ومخاوفك الّتي منعتك من التقدّم خطوة إلى الأمام، كلّها تزول في لحظة بأمر الرّحيم الرّحمان، لحظة يُجمع فيها الخوف بالرّجاء ويمتزج فيها الحُبّ بالصّفاء؛ سيجبر كسرك ولو بعد حين.

غلّقت الأبواب وشقّ الرّزق كلّما قصدت بابا أغلق وكلّما طلبت رزقا تعسّر فافتح على سورة الطلاق واقرأ قول الفتّاح "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ" سورة الطلاق: 3. إنّه وعد السّماء وعدالة الرّب سبحانه، لم يكلك إلى مخلوق مثلك يعطيك متى شاء ويمنعك متى أراد بل علّق الأمر به وحده، سيجعل المخرج من أشدّ الأبواب انغلاقا ويفتح الرّزق من أشدّ المواطن تعسّرا؛ ثق به وتوكّل عليه بصدق.

القرآن مأوى الخائفين ومنارة التّائهين ودواء العليل، إن طلبت السكينة فستجدها بين صفحاته وإن بحثت عن الدّواء فاقصد آياته وإن ضللت الحكمة فانشدها في دقائقه ومكنوناته.

تحطّمت الأحلام وخابت الظّنون وفقدت النّفس روح الثّقة بحلم ضاع بين الأرجاء، تثقُل أنفاسك ويتداعى جسدك ووتتهاوى كالصّريع، حينها اقصد الرفيق وافتح على سورة البقرة واقرأ قول العليم: "وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ" سورة البقرة: 216. وإن شئت فافتح على سورة النساء واقرأ قوله تعالى "فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا" النساء: 19. فقد يتلبس الشّر بلبوس الخير وقد يتزيّن الخير بزيّ الشّر، فكِل أمرك لكاشف المكنونات والعالم بالسّرائر وما تخفي الصّدور؛ لن يضيّعك.

في طريق التّحصيل والامتحانات على الأبواب، الآمال عليك معلّقة وسقف الطّموح مرتفع، استشكلت عليك المسائل وواجهتك الصّعوبات، توضّأ بإتقان واحمل كتابك بوقار وافتح على سورة البقرة قارئا قوله سبحانه: " وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " البقرة: 282. جعل التّقوى جسرا نحو التّحصيل، كن تقيّا وسيفتح عليك فتوح العارفين، قال يوما الإمام الشّافعي:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي

وأخبرني بأنّ العلم نور ونور الله لا يُهدى لعاص

تقدّم العمر وحرمت نعمة البنين فليكن دليلك نبيّ الله زكريّا إذا نادى ربّه: "رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ" الأنبياء: 89. فجاء المدد من فوق سبع سماوات وتجلّت رحمة الرحّمان الرّحيم في قوله: "فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونُ فِي الْـخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ"الأنبياء: 90. فسابق لعمل الخيرات وادعُ ربّك رغبة ورهبة وكن له خاشعا ذليلا طامعا في فضله متوكّلا عليه منتظرا الفرج منه؛ حاشاه أن يخيّبك.

كثيرة هي منعرجات الحياة تتساوى في الانحراف وتتباين في الشّدّة، في لحظاتِها المتقلّبة من فرح إلى حزن ومن ابتسامة إلى دمعة، من أمل يلوح في الأفق إلى شدّة ضاق بها نفَسك، من صحّة تنسيك الخيبات إلى علّة تعكّر صفو النجاحات، في كلّ هذه التقلّبات التي تفاجئك بها الحياة تحتاج إلى رفيق مخلص يسندك إن هممت بالسقوط ويرافقك إن قرّرت مواصلة المسير، إنه القرآن مأوى الخائفين ومنارة التّائهين ودواء العليل، إن طلبت السكينة فستجدها بين صفحاته وإن بحثت عن الدّواء فاقصد آياته وإن ضللت الحكمة فانشدها في دقائقه ومكنوناته، فيه جلاء الهموم وزوال الغموم وعلاج العلل والأسقام، ربيع القلوب وشفاء الصدور، من تمسّك بحبله لن يسقط ومن سلك نهجه لن يضيع، ما تمسّك به من ذليل أعزّه الله وما تركه من عزيز أذلّه الله، يؤنسك من وحشة ويرافقك من وِحدة ويشفيك من علّة، رفيقك إن خذلك الرّفاق ودليلك إن تهت في الآفاق.