حتى يكون الإبداع الفلسطيني مؤثراً

الخميس 23 مايو 2019 03:59 م بتوقيت القدس المحتلة

كان طالباً متفوقاً في امتحانات التوجيهي، حصل على معدل يؤهّله للدخول في كلية الطب، فرح أهله بتفوقه وكانوا واثقين بقراره.. ولكنه "كان أذكى من أن يضيّع تفوقه وقدراته" في علم ينعزل معه عن المجتمع عشر سنين لكي ينال شهادة تخصصية في داخل جسم الإنسان. فكر أنه يريد أن يتخصص بعلم يؤثر بالعقل وليس بالجسم، وكانت المفاجأة لمحيطه، حين قرّر أن يدرس التاريخ، وتحديداً تاريخ قضية فلسطين، فكما قال: فلسطين تنتظر منا الكثير.

علّق الكثيرون عليه: تريد أن تصبح أستاذ تاريخ في المدارس، بدل ان يُشار إليك بالبنان: جاء الحكيم وراح الحكيم!! وبالفعل، قام هذا الرجل بعمل مهم في خدمة القضية الفلسطينية، وتعميق دراساتها وتوضيح التباساتها وتأكيد ثوابتها والرد على خصومها وبناء التحالفات على مستوى دولي، والمشاركة في مراكز التفكير العالمية.. أوردتُ هذه القصة الواقعية، لأشير إلى أمرين: الأول، أن النتيجة الإبداعية لدراسة الطالب في مادة تعنيه أو على الأقل يحبها حتى لو لم يقدّرها المجتمع، تكون نسبتها أعلى، من النتيجة الإبداعية في مادة لا يحبها رغم أهميتها وتقديرها من المجتمع.

المؤسسات المانحة تعتبر أن هذه المواد مجانية أو شبه مجانية في الجامعات الحكومية، ولا تسعى أن تنشئ جيلاً من المتخصصين في هذه المادة في الجامعات المتقدمة

الثاني، وهو موضوع هذا المقال.. أن الدراسة في المواد التي تٌعنى بالمجتمع والفكر والرأي العام وتوجيهه وتعميق رؤاه، كعلم الاجتماع والعلوم السياسية والمحاماة والإعلام وحتى التاريخ والجغرافيا وغير ذلك، أهم بكثير على المستوى العام من الدراسة بالمواد العلمية، على مستوى تطوير المجتمع وقيادته. في المؤسسات الدولية التي تدرك أهمية هذا الأمر، يقدمون المنح الدراسية في المواد الاجتماعية والقانونية في الغالب. وقد قرأت هذا في إحدى الصحف، حين أعلنت إحدى المؤسسات الأرمنية في لبنان عن توفير منح دراسية في إحدى المواد الثلاثة: الاجتماع والإعلام والقانون.

وهذا ما يفعله اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، ولكن ليس فقط على شكل منح دراسية في هذه المواد، بل لضمان تقدم أعضاء منظماتهم وارتقائهم في المناصب التي يسعون إليها، سواء الحكومية أو الخاصة، وهو ما يُسمى عندهم "حزمة اللبلاب"، أي أنهم يتكاتفون معاً ليرفع بعضهم بعضاً ويسيطروا على المواقع القيادية في المؤسسات. إذن، متى يكون إبداعنا مؤثراً بشكل عام، وإبداع الفلسطينيين بشكل خاص.

- عندما يتعلق الإبداع (بنسبة أكبر) بالمجتمع والتفكير والسياسية والقانون والمحاماة والفلسفة.

- عندما نبتعد عن المسميات العلمية (د. مثلاً) لمصلحة الفائدة المجتمعية الحضارية.

- عندما يتم تصنيف المواد الأدبية والاجتماعية والقانونية بمنزلة المواد العلمية.

- عندما يتجه المتفوقون إلى هذه المجالات، بطموح الواثقين بأهميتها، والواثقين باهتمام الدولة بها.

- عندما تدعم المؤسسات التعليمية المانحة هذه المجالات.

وهذا النقطة الأخيرة، وجدتها غائبة فعلاً. فالمؤسسات المانحة تعتبر أن هذه المواد مجانية أو شبه مجانية في الجامعات الحكومية، ولا تسعى أن تنشئ جيلاً من المتخصصين في هذه المادة في الجامعات المتقدمة. الحل يكمن في إنشاء منظومة اجتماعية وحكومية تدرك أهمية هذه المواد، وأساسيتها في بناء المجتمع، وضرورة دعمها وتطويرها من أجل مستقبل أفضل.