النبضة الأولى ما بعد الموت!

الأحد 26 مايو 2019 03:57 م بتوقيت القدس المحتلة

النبضة الأولى ما بعد الموت!

بقلم الكاتبة الشيشانية: هيا توركو

هي ثلاث نبضات.. فاثنتان، يتبعهم صفيرٌ متواصل، حتى تُحرر الروح من زنزانتها، وتسرح في أفق واسع، تنتظر يوم الميعاد، يوم العرض الأكبر، يوم الصحف المتطايرة، ليتناول كل امرئ صحيفته؛ سترى حينئذ طفلاً قد قُتل في صغره، جاء كطيرٍ بشري يبتسمُ لك في منتصف السماء، سترى شهيدًا فراقه آلمك، وترى فقيدا رحيله أوجعك، سترى رجلاً قد ظلمك، وشخصاً آخر قد اغتابك.. كلهم في منتصف السماء ينظرون إليك، بينما تنتظر أنت عبورك.

ستنام نومًا هنيئًا، بعيدًا عن أخبارِ التلفاز العاجلة والصحف المهترئة، سيبكيكَ الأهل إذ لا رجوع، فإتباعٌ لغيابك أو خضوعٌ، تسمعُ أصوات الباكين من حولك، تسقطُ دمعةَ أمك على خدك، فتحيا روحكَ بها ويموت جسدك، ستودُّ لو أنك تستطيع أن تبشّرها، أن تفتحَ عينيك لتُبصرها، ستودُّ لو أنّك حيّ لدقيقة أخرى، تعانقُ فيها أباكَ وتضمُّ إليكَ أختك، لكنك راقدٌ في منتصف السماء، تلتصقُ بالسريرِ ومن حولك البُكاء.. تسمعُ صُراخ جارتك العجوزة، إذ أنها تذكر محاسنكَ وترثيك، فيتبعها أخوكَ ومنديله في الحوزة، يبكي بصمتٍ كي لا تُعار الرجال، وفي قلبه لوعةٌ تكاد تحرق الجبال، لكنك راقد في منتصفِ السماء، تلتصقُ بالسرير ومن حولك البكاء..  وبعد عقد أو ربما قرن، أو يوم من غير إذن، سيُبعث الباكون إليك، وتطوفُ الأرواح في زحام، سيقول الجميع ها نحن هنا، هنا الختام.. هنا الختام!

حينما ترى الخير الكثير، وترى المنكوبين يومئذ سعداء، وترى المظلومين يومئذ ذَوِي قوة وبهاء، ستشاهد من بعيدٍ امرأة في عربة، يجرها ملكٌ بطيب خاطر ومحبة، فتسأل عن تلك المرأة، فيقال إنها ماتت جائعة

سيبدأ حينئذٍ العرض، في حسابٍ دقيقٍ من رب الأرض، سيقفُ الطاغي أمام القويّ المتين، سيحاسب في كل صغيرة وكبيرة، سيعذب عن كل ألم تسبب به للكبار والصغار.. سيقف الكافرُ أمام القادر، وسيقول الخالق إنا أنذرناكم عذابا قريبا، فيودّ الكافر لو أنه يعود للدنيا ليثابر.. وستقفُ أنتَ في منتصفِ السماء تنظر، سيأتي الله بالقاتل الذي لطالما دعوتَ عليه باكياً في دنياك، سيأخذ الله بقصاص حزنك، وستعود راضية عيناك، ويبشرك الله ألا تحزن، فيأتيكَ الأهل من بعد القيامة، تقفُ وإياهم قبل أن تُسأل، فتفرّ من أبيك الذي أرثاك، ومن أخيك الذي لطالما بكاك، ستهرب من أختك التي احتضنتك، وتتجنب أمك التي أنجبتك، ستحمل صحيفتك بإحكام، وستنتظر الحساب بضع سنين وأيام، كل امرئ غارقٌ حينئذ بالزحام، لا جلوس ولا نوم بل قيام.

ثم بعد.. ستقف أنت في منتصف السماء تنظر، فتفتح أبواب الجنان و النعيم، وتقول الملائكة هذه جنة الرحمن الرحيم، ادخلوها اليوم آمنين، ستقابل حينئذ الشهداء الذين انتصرتَ لأجلهم، والمستضعفين الذين نهضت يوما لصوتهم، والصحابة الذين عشت يوما لنهجهم، وتقابل حينها خير العالمين، ستقف مدهوشا، ترى ما لا عين رأت وتسمع ما لا أذن سمعت، وتكتشف ما لا يخطر على بال بشر، سترى هناك الطير والحجر والشجر، فتقف أنت في منتصف السماء تنظر، لتُفتح أبواب الجنة من جديد، يدخلها الناس كالسيل الشديد، فتجثو على ركبتيك منهكا متعبا، تفكر في تلك التي لا تساوي جناح بعوضة، تتكئ على مصرع باب الجنة، تدرك بأن غضبك في الدنيا كان أضحوكة، سيطمئن قلبك.. وأخيرا!

حينما ترى الخير الكثير، وترى المنكوبين يومئذ سعداء، وترى المظلومين يومئذ ذَوِي قوة وبهاء، ستشاهد من بعيدٍ امرأة في عربة، يجرها ملكٌ بطيب خاطر ومحبة، فتسأل عن تلك المرأة، فيقال إنها ماتت جائعة، وترى والي المدينة على أبواب الفردوس يبكي، قيل إنه ظلم تلك الجائعة، ونسي في دنياه أن الآخرة فاجعة، سيقلّب الله الحال، فيرزق الفقير قصورا وراحة بال، وبينما أنت في منتصف السماء تنظر.. سترى رجلاً أمام حوض من كوثر، يُشرب الناس من يديه فيُشكر، ويقال هذا محمدٌ بن عبد الله الذي آمنتَ به وسلّمت، هذا الذي بكى الله قائلاً أمتي أمتي، هذا صلاة الله عليه كلما صليت، أتاه القاسم طيرا ينادي يا أبتي، فصرخت البشرية المؤمنة، يا رسول الله حضرة معك مبشرة، فتقف أنت في منتصف السماء تنظر.. وترى رسول الله إليك يبصر، تبكي إليه شقاء الأولى، فيمسح عن قلبك ذاكرة الدنيا، ويأتيك بحول الله بنعيم الآخرة، وبعد زحام دام أيام، ها قد انتهى الحساب بين الأنام، وها أنت الآن في منتصف الجنة، عاد النبض لقلبك مرة أخرى، لكنها النبضة الأولى، النبضة الأولى ما بعد الموت.