أحلام ثائرة في مخيمات بيروت

الأحد 26 مايو 2019 04:02 م بتوقيت القدس المحتلة

أحلام ثائرة في مخيمات بيروت

بقلم الصحفية: هنادي نصر الله

عشرة أيامٍ عن عشرِ أعوامٍ، سبحان من جمعني بأهلي في غربتهم؛ لنتحسسَ وجع اللجوء بينما نحتسي في جوٍ من الهدوء والإتزان كوبًا من الشاي صعنوه بحبٍ وترحابٍ من قلبِ مخيمات اللجوء في لبنان، في برج البراجنة وصبرا وشاتيلا وعين الحلوة وميّة المية وغيرها.. فقد زرتُ أهلي الموجوعين مثلي بعد تشردهم عام ثمانية وأربعين، بُعيدَ حربِ العصف المأكول أو معركة الواحد والخمسين يومًا أو تلك التي تُسميها من تُسمي نفسها "بإسرائيل" حرب "الجرف الصامد"، زيارة بعثتْ بداخلي وهجًا لا ينطفئ بأن العودة إلى فلسطين التاريخية لا مفر منها، وأن وعدَ المقاومةِ وجندها المخلصين بإنشاء ميناء ومطار سيتحققُ في وقتٍ باتَ قريبًا رغم سخريةِ فريقٍ من المطبعين والمشككين بتطلعاتِ الثائرين من أبناء القسام وسرايا القدس وأجنحة المقاومةِ العسكرية في فلسطين تحديدًا في غزة الجريحة والصابرة والمحاصرة..!

فما أن حطتْ أقدامي المتعبة بعد وجعِ تغطيةٍ مؤلمةٍ كادتْ أن تقتلَ ما تبقى من جسدي المنهك بفعلِ ما رأته عينايّ من دمارٍ مهولٍ ودموع الثكالى والأرامل والأيتام والجرحى والشهداء تحت أنقاض منازلهم المدمرة، حتى حمدتُ الله أن نجاني ببدني من القوم الظالمين وأقصدُ بهذا الوصف الاحتلال الإسرائيلي وطائراته المدججة بأسلحة القتل المحرمة دوليًا.. همسَ في ذهني صوتٌ خاطبني برفق بينما تهبطُ بي الطائرة في مطار بيروت الدولي تزامنًا مع نزول المطر في منتصفِ ليلةٍ خريفيةٍ تجلتْ فيها قدرة الإله القادر على أن يُبدل أحزان المتعبين إلى أفراح، همسٌ قال لي "الجنة أحلى" وكأن الله يُريد أن يُوصيني بآلا أنزلق إلى منزلقاتٍ تُسيءُ إلى هويتي الإسلامية مع انفتاح الثقافاتِ التي سأشاهدها في عشرة أيامٍ سأقضيها في بيروت الرائعة والهادئة مقارنةً بغزة الحبيبة الحافلة بكل منغصاتِ الحياة الكريمة والحبلى بأوجاع ضاق بها صدري ذرعًا..!

مع هولِ الوجع الذي رأيتُه في ظل تشابه معاناة اللاجئين في سوريا ولبنان وغزة، تمتمتُ بينما أراقبُ ألعاب الأطفال في عيدهم والتي كانتْ على شاكلةِ بنادق المقاومةِ وأسلحتها

على عجلٍ أنهيتُ إجراءات وصولي مطار بيروت، وانتقلتُ برفقةِ من استضافوني إلى فندق جولدن تولب، وهناكَ وجدتُ من الجمال والحياة ما لم أجده في غزة، روعة الاستقبال، حفاوة السكان، احتضان الأهالي لي في قلب المخيمات، عزة نفسِ اللاجئين في عين الحلوة، بكاؤهم حين أخبرتهم أنني من غزة وقد جئتُ لأقضي عيد الأضحى المبارك بينهم ومعهم، بعد أن نجوتُ بأعجوبة من حربٍ طاحنةٍ خلعتْ قلبي خلعًا تأثرًا بما شاهدتُه من نكباتٍ ونكساتٍ وأحزانٍ لا يتسع المجال لأكتبها في تدوينتي هنا.. كنتُ في حالةِ مدٍ وجزر بين فرحي لوصول بيروت؛ حيث تجربتي الإعلامية في التغطية الإخبارية خارج قطاع غزة من قلب المخيمات، فقد أكرمني الله بأن حباني بتغطية موسم الحج عام ألفين واثني عشر ضمن البعثة الإعلامية لحكومة اسماعيل هنية، وبين حزني لأحوال اللاجئين وواقعهم الأشد صعوبة في الغربة، فمخيمات اللجوء في غزة على مرارتها أهون ألف مرة من أحوال اللاجئين في لبنان ودول الشتات، فهم لا يحظون بأدنى حقوقهم الإنسانية ويُحرمون من التعليم والصحة والتملك ولا يحق لهم أن يملكوا العقارات إلى غيرها من حقوقٍ يُحرموا من الحصول عليها بموجب القانون اللبناني الذي يحظر على الفلسطينيين والنازحين التمتع بالحياة أسوةً باللبنانيين..

لم أتمالك نفسي إطلاقًا وأنا أستمعُ إلى معاناةِ أهلي اللاجئين في مخيمات بيروت، خاصةً عندما التقيتُ النازحين السوريين ممن شردتهم الحرب الأهلية في سوريا إلى مخيمات لبنان؛ ليتحدَ بذلك الجرح الفلسطيني والسوري في ملحمةِ وجعٍ تاريخية تقولُ عبر آهاتٍ مكتومةٍ أو مفضوحةٍ "بلاد العرب أوطاني وإن أدمى الخذلانُ أقدامي"..! سألتُهم أين تُحبون أن تقضوا عيدكم القادم؟ هناك من قال "في غزة" وهناك من قال "في المسجد الأقصى" وهناك من قال "في حيفا" وهناك من قال "في المجدل" وهناك من قال "في بئر السبع" أما أطفال سوريا فكم اشتاقوا لأن يقضوه في سوريا في مخيم اليرموك بعيدًا عن كل الدمارِ بصرف النظر عن الجهةِ التي تقفُ وراءه..

ما اكتشفتُه في رحلتي هو كم أن الإنسان يُجردُ قسرًا من إنسانيته؛ ويذوبُ قهرًا في ظلِ الصراعات الطاحنة التي تخططُ لها الدول العظمى كأمريكا وأعوانها، ومع هولِ الوجع الذي رأيتُه في ظل تشابه معاناة اللاجئين في سوريا ولبنان وغزة، تمتمتُ بينما أراقبُ ألعاب الأطفال في عيدهم والتي كانتْ على شاكلةِ بنادق المقاومةِ وأسلحتها "ما كنتُ يا أطفال أحسدكم على عيشٍ في ظل المغريات رغيد، خلوا لكم في عيدكم ألعابكم فلديّ ألعابٌ من البارود، يومًا رأيتُ أبي يموت وجدتي تصرخُ بنيّ وحيدي"...! سلمتُ هناك على كلِ المعذبيّن والمضطهدين والمحرومين، وقلتُ للجميعِ "سنلتقي على أرض غزة العزة، وستأتونَ إلى مدينتنا لنأكل سويًا من سمكها ونسبح في بحرها، ستأتون وتُبحرون عبر ميناء غزة، ستأتون من قلبِ مخيمات اللجوء في لبنان ومن قلبِ فلسطين الثمانية وأربعين، لنلتحم سويًا مع شيخ الأقصى رائد صلاح، عبر سفنٍ بحريةٍ نُسيرها على أعين ومرأى ومسمع جيش الإحتلال، هاتفين الله أكبر يا صهيون، جيش محمد بدأ يعود، هنا غزة في الطريق إلى تحرير فلسطين التاريخية..

حلمٌ قد يراها البعض في أحلام اليقظة، قد يتهمُ المروجين له بالجنون، لكنه عند أهل البندقية وأهل الثورة وأهل الفداء وأهل القرآن هو يقين حتمي بزوال "إسرائيل"، فهلا تمسكتم بمغامراتكم واسمتعتم بتحقيقِ المزيدِ من أحلامكم، تذكروا الحقوق تُنتزع انتزاع، وكل الفخر لمن واضبَ على حراسةِ أحلامه من العابثين بها والمستهزئين بها؛ فاللهم مزيدًا من أحلام اليقظة التي تُنعشُ في قلوب اللاجئين أينما كانت خيامهم الإصرارعلى التضحية من أجل فلسطين التاريخية ومن أجل الإحساس أكثر وأكثر بالمعذبين من أمثالهم في كل بقاع الدنيا..