حكاية الطفلة هيام السورية مع الجحيم الروسي

الخميس 30 مايو 2019 05:39 م بتوقيت القدس المحتلة

حكاية الطفلة هيام السورية مع الجحيم الروسي

بقلم الصحفي السوري: تيم الحاج

مع كل إقلاع لطائرات روسيا وطائرات نظام الأسد من مرابضها، تهرول الطفلة السورية هيام ذات الخمس سنوات نحو قبضة اللاسلكي كي تسمع أين ستصب تلك الطائرات حممها بعد دقائق. تتجه هيام نحو خالها ممسكة بالقبضة وهي مصغية بتركيز إلى ما سيقوله وحيد الناطق باسم المراصد التابعة للمعارضة والتي يتمحور عملها منذ سنوات على متابعة تحركات الطائرات التي تقصف المدنيين في المناطق المحررة.

تسمع هيام أن الغارات ستتركز نحو المنطقة الجنوبية، تلتفت إلى خالها لتطمئن نفسها ما إذا كانت وأهلها يعيشون في المنطقة الجنوبية التي قصدها وحيد في رسالته التحذيرية عبر اللاسلكي، يلتفت الخال إلى هيام ويقول لها: لا نحن نعيش في المنطقة الشمالية تتنفس هيام الصعداء وتذهب إلى غرفة مجاورة لكي تلعب. لكن ماهي إلا لحظات لتعود كالبرق إلى أمها كي تختبئ فهناك صوت انفجار كبير وقع بالقرب من منزلهم. في الحقيقة جميع من في المنزل كان يخفي عن هيام الحقيقة ويقول لها أن موقع المنزل عكس ما يقوله الراصد وحيد كي لا يتضاعف عندها شعور الخوف والهلع.

ومع مرور الوقت وفي ظل استمرار الهجمة العسكرية الروسية ومواصلة طائرات موسكو إلقاء حممها على المدنيين اكتشفت هيام الحقيقة وتأكدت أن الراصد وحيد لا يكذب بل خالها هو من كان يغير موقع المنزل عند كل سؤال تطرحه خوفاً عليها. تقول أم هيام إن القبضة صارت منذ بداية الحملة العسكرية قبل نحو شهر ملازمة ليد طفلتها، فهي لا تتركها إلا عندما تشعر ببعض الأمان أو عندما تريد أن تنام. حالة هيام النفسية تأثرت بشكل ملحوظ بحسب خالها فأعراض الهلع والفزع تظهر عليها كلما اقتربت الطائرات وزاد هديرها إذ ترتعد الطفلة وتصفرّ على الفور وتشعر بالغثيان.

واقع الأطفال

ليس ببعيد عن المكان الذي تعيش فيه هيام. فقد عدد من الأطفال حياتهم أثناء مرورهم بين الأحياء السكنية بمدينتهم احسم بريف إدلب ومثلهم في مدينة أريحا وجسر الشغور وفي ريف حلب الغربي إثر غارات روسية على سوق شعبي. لم نسمع قصصاً لهؤلاء الأطفال كقصة هيام لكن التسجيلات المصورة التي وثّقت مقتلهم تروي حجم الإجرام والجحيم الذي تتسبب به الطائرات الروسية بحق أهالي الشمال السوري إذا تظهر التسجيلات في إحسم 3 أطفال ممدين قرب مجموعة من المنازل المدمرة والخالية من أي مظاهر مسلحة وكأنهم كانوا يركضون بأقصى سرعة لديهم محاولين الهرب من الموت الذي أدركهم.

تعكس قصة هيام، واقع جلّ الأطفال الذين يعيشون في الشمال السوري فلكل واحد منهم بلا ريب قصةُ خوفٍ وترقبٍ مع الجحيم الذي باتت روسيا توزعه على المدن والبلدات هناك. كما تجسد قصة هذه الطفلة السورية الحالة النفسية لأقرانها الذين باتوا ينامون ويصبحون على مناظر الدماء والأشلاء وأصوات انفجارات القذائف والصواريخ حتى المحرم منها دولياً وكأنه كتب عليهم أن تلازمهم الشقوة والكبت منذ صغرهم.

مواقف متراخية وموت مستمر

لا يكاد يمضي يوم منذ شهر إلا وتصدر الأمم المتحدة فيه بياتاً تقول فيه إنها تراقب عن كثب ما يجري في الشمال السوري. في حين اكتفت كل من بريطانيا وفرنسا وأمريكا بإصدار بيان موحد يحذر نظام الأسد من اسخدام غاز الكلور في عملياته العسكرية القائمة. لا شيء يلوح بالأفق يشير إلى تدخل حقيقي دولي من شأنه إيقاف شلال الدم وحملات النزوح في المدن القريبة وأخرى بعيدة عن مناطق الاشتباكات.

يقدر الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) عدد الذين قتلوا من المدنيين منذ بدء القصف الروسي وقصف النظام على مناطق في إدلب وحماة بقرابة الـ 558 بينهم 180 طفل. وقدر ذات المصدر عدد النازحين هرباً من القصف بأكثر من 400 ألف يعيش جلّهم منذ قرابة الشهر في البساتين والأحراش القريبة من الحدود مع تركيا في ظل شح المساعدات. يضاف إليها تدمير 70 منشأة تعليمية و55 نقطة طبية بينها مراكز للدفاع المدني و9 أفران واستهداف 7 مخيمات.  

وكانت جلسة لمجلس الأمن قبل نحو 20 يوماً حول الوضع المتصاعد في إدلب وحماة فشلت في التوصل لموقف مشترك بعد أن عارضت روسيا ودول أخرى ذلك، في حين أعرب 11 عضواً عن "قلقهم العميق". بينما كان الموقف التركي الأشد وضوحاً من بين المواقف الدولية إذ جاء على لسان وزير الدفاع خلوصي أكار قوله بأنه يتعيّن "لجم هجمات قوات النظام" في ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي، وطالب بضرورة انسحاب قوات النظام إلى الحدود المتفق عليها في مسار أستانا. ويعد الهجوم القائم على مناطق في ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي من قبل روسيا وقوات نظام الأسد هو الأعنف منذ ما شهدته محافظة درعا جنوب سوريا منتصف عام 2018 من عمليات قصف عنيف انتهت بتهجير أهالي المنطقة الجنوبية الرافضين لعمليات التسوية والمصالحات.

وتسعى روسيا ونظام الأسد من هذا الهجوم إلى التقدم في مناطق ريف حماة وإدلب من أجل تأمين وفتح طرق دولية استراتيجية كان قد تم الاتفاق عليها في اجتماعات أستانا التي ترعاها (روسيا وتركيا وإيران). لكن اللافت في ما يجري أن جميع المناطق التي تشهد قصفاً ومعارك هي بالأصل مدرجة في المنطقة منزوعة السلاح، الموقعة بين تركيا وروسيا في 17 أيلول من العام الفائت.