نحن والغرب .. وهل تجدي المناشدات؟

الخميس 30 مايو 2019 06:08 م بتوقيت القدس المحتلة

نحن والغرب .. وهل تجدي المناشدات؟

بقلم الكاتب والمفكر: عزام التـميمي

لست ضد من يناشد الغرب بأن يكون صادقا مع نفسه وأن ينحاز إلى صف المطالبين بالحرية والديمقراطية، محذرا ساسته من مغبة الوقوف في خندق الطغاة الذين يعيثون في بلاد العرب والمسلمين فسادا، ومنبها إياهم إلى ما سيجره ذلك على بلدانهم من عواقب وخيمة. ولكني أرى بأن من يرجون من الغرب خيرا في هذا الشأن يمنون أنفسهم بالسراب، ويجهدون فيما لا طائل منه.

ليس هذا من باب نفي وجود الخير في الغرب، بل في الغرب خير كثير، ونعرف من الغربيين من يناصرون قضايا العدل والحرية، وعلى رأسها قضية فلسطين وقضية الحريات في العالم العربي، ويبذل هؤلاء من أوقاتهم وأموالهم الكثير، ويتحملون في سبيل ذلك الكثير من العنت.

إلا أن صناع السياسة في الغرب نمط مختلف من البشر، فهؤلاء لا تتحرك ضمائرهم، إلا من رحم ربي، استجابة لاستغاثة طفل أو امرأة في إدلب أو في الحديدة أو في طرابلس أو في صنعاء أو في غزة، ولا يأبهون لما يقوم به السيسي من تجريف سيناء وإخلائها من سكانها بحجة مكافحة الإرهاب، ولا يذرف هؤلاء دمعا على أهالي ضحايا الإعدامات في السعودية أو في مصر أو في غيرهما. بل صناع السياسة في الغرب أعينهم بالدرجة الأولى على إسرائيل التي يخشون عليها من كل هبة ريح، وكذلك على صفقات السلاح والتبادل التجاري الذي يغذي اقتصاد بلادهم ويعود على خزائن حكوماتهم بموارد تمكنهم من توفير الخدمات الصحية والاجتماعية لمواطنيهم الذين ينتخبونهم بسبب وعودهم بتحسينها أو على الأقل الحفاظ عليها.

فما الذي يحرك الغرب إذن؟

في الغرب قانونان، قانون للتعامل مع الوضع الداخلي وآخر مع الوضع الخارجي. أما في الداخل، فالإجراءات صارمة، والعواقب وخيمة، فيما لو حاد أي سياسي عن الطريق القويم، كأن يُضبط متلبسا بتربح شخص من منصبه، ناهيك عن أن يقع في ممارسة كذب أو خداع أو رشوة. وأما في الخارج، فيمكن لكل ما هو محظور أو محرم في الداخل أن يصبح متاحا مباحا، كأن يعمد مسؤول غربي إلى رشوة مسؤول في دولة ما، وما صفقة اليمامة ويغرها منا ببعيد، أو إلى أن يسكت عن جرائم ضد الإنسانية يرتكبها ذلك المسؤول أو غيره، وحدث ولا حرج عن جرائم حكام العرب بحق شعوبهم، مقابل الحفاظ على مصالح اقتصادية أو سياسية أو دبلوماسية. وبينما تعتبر الإجراءات الديمقراطية في الداخل أمرا مقدسا وكذا حقوق الإنسان والحريات المدنية، تصبح كلها بلا قيمة ولا معنى في الخارج.

إن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يحمل صناع السياسة في الغرب على احترام شعوب الأقطار الأخرى هو تلك الشعوب نفسها، حينما تأبى الظلم وتثور ضد الفساد والاستبداد. وذلك ما شهدناه بأعيننا حينما انتفض الشعب العربي من محيطه إلى خليجه في أواخر عام 2010 ومطلع عام 2011، وتأكد أكثر وأكثر عندما انتخب المصريون الدكتور محمد مرسي رئيسا وكانوا قبل ذلك قد انتخبوا بحرية مطلقة برلمانا هو الأول من نوعه في تاريخ مصر الحديث، وكذلك عندما انتخب التونسيون ممثليهم وكاد أن يحقق إنجازات مشابهة أهل اليمن وليبيا وربما سوريا. في الأيام الأولى من انتفاضة الشعوب العربية، ذهب بعض الملوك والسلاطين يتقربون من معارضاتهم ويسترضونها، وأوشك العالم العربي على ولوج عالم الديمقراطية والحكم الرشيد من أوسع أبوابه.

في تلك الأيام صدرت تصريحات متعددة عن مسؤولين في الغرب يعربون فيها عن إعجابهم بالشعوب العربية التي تنفض عن كاهلها الظلم والطغيان، وتطالب بالحرية والكرامة بعد عقود من الاستعباد والهوان. بل وأقيمت في كثير من عواصم الغرب معسكرات تحاكي تجمعات الجماهير العربية في ميادين مدنها المختلفة. حينها، شعر العرب والمسلمون في الغرب لأول مرة منذ زمن طويل بالعزة والفخار، وهم يرون العالم يعجب بأشقائهم الذين خرجوا إلى الشوارع في كل مكان يهتفون بأعلى صوت: "الشعب يريد إسقاط النظام .. الشعب يريد تحرير فلسطين."

ما أراه مطلوبا اليوم من النخب الفكرية والسياسية التواقة لرؤية تغيير نحو الأفضل في العالم العربي ليس مناشدة الغرب بل المساهمة بكل ما أوتوا في استنهاض الشعوب من جديد، لأن نهضة الشعوب هي التي ستفرض على زعماء العالم، من ساكن البيت الأبيض إلى ساكن رقم 10 داونينغ ستريت إلى ساكن الأليزيه إلى غيرهم، بأن يحترموا إرادة الشعوب ويعيدوا النظر في سياساتهم ومواقفهم.

وذلك مطلوب بالدرجة الأولى من منتسبي جماعة الإخوان المسلمين، التي حملتها شعوب كثير من البلدان العربية مهمة قيادة مسيرتها نحو الحرية والكرامة والديمقراطية.

وبالمناسبة، فإن التحذير من مغبة تصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، كما ينوي ترامب أن يفعل – وقد يتبعه في ذلك آخرون، لا يفيد في شيء طالما ظلت جماعة الإخوان الأم منقسمة على نفسها، وبعض أفرادها لا يكفون عن الإساءة إليها من حيث قصدوا أو لم يقصدوا. لابد من السعي الحثيث لإعادة توحيد الجماعة، ولم شملها، وإصلاح أوضاعها، وبإمكان كل واحد من أفرادها -سواء ممن كان في هذا التيار أو في ذاك- أن يشارك في إنجاز هذه المهمة لو تجرد لله من كل هوى وتخلص من كل درن من أدران القلوب، وكف عن الانتقام لذاته، أيا كانت مظلوميته.

يدرك الغربيون -وعلى رأسهم الأمريكان- أن جماعة الإخوان المسلمين، بكل تجلياتها حول العالم، مازالت رغم ما تلقته من ضربات ورغم ما هي مثخنة فيه من جراحات، هي الحركة الأهم والأكبر تأثيرا والأعظم قدرة على قيادة التغيير والإصلاح في مجتمعات العرب، وإلا لما تكالب عليها طغاة العرب وساسة الغرب يحاربونها ويجففون منابعها، ويستثمرون الأموال الطائلة في هدم الفكرة التي تقوم عليها. ولعل في هذا التحالف الدولي الغاشم أكبر حافز لأبناء الحركة على النهوض من جديد.

إن الأنظمة الحاكمة في الغرب، هي اليوم كما كانت بالأمس وكما ستظل في المستقبل، مجبولة على ازدواجية المعايير، ولا يهمها شيء سوى مصالحها، ولن تشعر بأن مصالحها مهددة بمجرد تحذيرها من مغبة ممالأة الطغاة والتحالف معهم، وخاصة إذا كان الانطباع المتشكل لديها يشير إلى تمكن هؤلاء الطغاة ورسوخ أقدامهم في مواقعهم. إن الذي يشعر حكومات الغرب بأن مصالحها يمكن أن تكون في مهب الريح هو انتفاض الشعوب من جديد. وهذا هو الميدان، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.