هجمات خليج عمان.. تنويم شعوب الشرق الأوسط عبر حروب عبثية!

السبت 15 يونيو 2019 03:07 م بتوقيت القدس المحتلة

هجمات خليج عمان.. تنويم شعوب الشرق الأوسط عبر حروب عبثية!

بقلم الباحث في القضايا الدولية: عبد العزيز غي

تمثل الهجمات الأخيرة في خليج عمان التي استهدفت ناقلتي نفط تحملان شحنات لها علاقة باليابان في ظل جهود الوساطة اليابانية لتخفيف التوتر المستمر بين طهران وواشنطن محاولةً لجر الولايات المتحدة الأمريكية في حرب ضد إيران وإشعال المزيد من الصراعات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط بجانب الحرب المستعرة حاليا في اليمن وسوريا. فلماذا تُنشَب الحروب بشكل مستمر في هذه المنطقة بالذات؟ تعتبر الشرق الأوسط من أكثر المناطق تعرضا للصراعات المسلحة في عصرنا الحديث.

هذه المنطقة شهدت حروبا وأزمات عديدة ومديدة منذ عدة عقود، بعضها حروب قادتها دول عربية ضد دول غير عربية كالحروب العربية المتتالية ضد إسرائيل والحرب العربية الإيرانية الطويلة التي استمرت ثمان سنوات، لكن بعض هذه الحروب والأزمات قد نُشبَت ضد دول عربية وأعني احتلال العراق للكويت وحرب تحرير الكويت وغزو العراق وتدميرها لاحقا بحجة امتلاكها أسلحة الدمار الشامل وما نتج عنها من تفريخ الجماعات الجهادية وانتشارها في الشرق الأوسط وكذلك حروب الثورات العربية في اليمن وليبيا وسوريا و الحرب الحالية في اليمن وكذلك الأزمة الخليجية الحالية المتمثلة في حصار دولة قطر من قبل بعض جيرانها لمدة سنتين بدون مبرر.

استراتيجية تنويم الشعوب عبر حروب وأزمات عبثية إن آتت أكلها في السابق فلن تنجح في وقتنا الحاضر بسبب التغييرات الجوهرية التي طرأت في شعوب المنطقة التي لم تعد شعوبا بدائية منغلقة

والغريب أن هذه الحروب والأزمات، التي كلفت دول الشرق الأوسط أثمانا باهظة لا يمكن حصرها، لم تتمكن في حل المشكلة التي أشعلت لأجلها، فإسرائيل لا تزال قوية رغم الصراعات المسلحة التي نشبت ضدها، والنظام الثوري الإسلامي لا تزال قائمة في إيران، وحرب الخليج الثانية وإن حررت الكويت فقد أبقت نظام صدام حسين لأكثر من عشر سنوات لكي تُشعَل حربا أخرى للإطاحة بهذا النظام وما تمخض عنها من تمزيق العراق وتمكين إيران فيها عكس ما تصوره كل عربي ساند غزو العراق، وكذلك الحرب التي تدور في اليمن منذ أربع سنوات قد زادت من قوة الحوثيين، وأخيرا فحصار قطر لم يحقق أي هدف منذ سنتين بل أصبحت دولة قطر أقوى داخليا وخارجيا بعد عملية الحصار.

أما ما تتعلق بالثورات العربية مطلع عام 2011 فالثورة الوحيدة التي نجحت فعلا هي الثورة المتسمة بالسلمية المطلقة واستعمال الحنكة السياسية ألا وهي الثورة التونسية. فالثورات المسلحة في ليبيا وسوريا واليمن لم تنجح ولا تزال هذه الدول في حرب مدمرة. إن ثبت أن شن الحروب وافتعال الأزمات في منطقة الشرق الأوسط لم ولا تحل المشاكل التي أشعلت لأجلها فلماذا تستعر هذه المنطقة في حروب واحدة تلو الأخرى منذ أكثر من نصف قرن؟ لعل أول ما يتبادر إلى الذهن للإجابة عن هذا السؤال هي نظرية المؤامرة التي تتلخص في أن هذه المنطقة الغنية بالثروات النفطية والغازية وغيرهما تعيش تحت مؤامرة الدول الغربية العظمى التي تُشعِل الحروب في المنطقة لنهب ثروات هذه الشعوب وتعطيل عجلة تتطور هذه الدول.

لو سلمنا جدلا بهذا الطرح لا تهمنا الغرب بإشعال الحروب العربية ضد إسرائيل وإيران وكذلك الحروب والأزمات بين الدول العربية، مع أن الواقع يشهد بالخلافات العميقة بين دول المنطقة وما تتبعها من حروب كلامية طاحنة بين وسائل إعلامها فلماذا تُعزَى إلى الغرب حين تتحول إلى صراعات مسلحة؟ أضف إلى ذلك أنه في الحالة الراهنة تشهد الجميع أن الدول الغربية تتجنب الخوض في صراعات مسلحة في الشرق الأوسط لكن دولا في المنطقة تسعى إلى خلق توتر وصراعات مسلحة فيها.

وأسباب سعي هذه الدول إلى إشعال الحروب في المنطقة كثيرة من أهمها صرف انتباه مواطنيها عن المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في الداخل بخلق عدو خارجي وشن حروب خارج الحدود لاحتكار مستحقات الشعوب في الداخل وفرض حالات الطوارئ والظروف الاستثنائية لكبح الحريات وتمرير التعديلات الدستورية التي تستحيل من الشعوب تَقَبُّلها في الحالات العادية. وهذه الاستراتيجية الجهنمية قديمة وحديثة فقد استعملتها دول شرق أوسطية في صراعات كثيرة كالصراع العربي الإسرائيلي الطويل لتنويم شعوبها عبر خلق حالة حرب دائمة ضد إسرائيل وتناسي الاصلاحات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في الداخل، بل وانتهزت دول أخرى صراعات مسلحة خارج العالم العربي لتعبئة شبابها لصرف انتباههم عن المشاكل الداخلية كما هو الحال فيما كان يسمى بالجهاد الأفغاني في نهاية السبعينيات الميلادية. وتدخل الأزمات المختلقة حديثا كحصار قطر والحرب في اليمن ضمن استراتيجية تنويم الشعوب حيث لم تقدم دول الحصار وغزاة اليمن أي دليل مقنع لتبرير الحصار والحرب، بل ولم تسع في تحقيق أي هدف في هذين الملفين.

إن استراتيجية تنويم الشعوب عبر حروب وأزمات عبثية إن آتت أكلها في السابق فلن تنجح في وقتنا الحاضر بسبب التغييرات الجوهرية التي طرأت في شعوب المنطقة التي لم تعد شعوبا بدائية منغلقة على نفسها تصدّق الرواية الرسمية للحكومات في حروبها أويتم تخديرها من قبل علماء السلاطين الذين يقومون بِلَيِّ النصوص الدينية لتحويل حروب تنويم الشعوب إلى جهاد في سبيل الله. فشعوب المنطقة الآن، لاسيما الشباب، منفتحون على العالم وقد تثقفوا بثقافة عالية، فعشرات الآلاف منهم درسوا في الغرب وهؤلاء يصعب استحمار عقولهم سياسيا ودينيا. أضف إلى ذلك أن الظروف المعيشية في كثير من دول الشرق الأوسط قد تدهورت عما كانت عليها في أيام الطفرة وانتشرت ظاهرة الفقر في أوساط الشباب وارتفعت البطالة في صفوف خريجي الجامعات بشكل ملحوظ وبالتالي فلن يتحمل هؤلاء الشباب صرف المليارات في حروب عبثية من قبل حكوماتهم التي لم تقم بحل مشاكلهم المعيشية والأسرية بشكل فعال.

والغريب في الأمر أن الثورات العربية أوائل عام 2011 لم تغير من سلوك هذه الحكومات الداعمة للصراعات المسلحة لتنويم شعوبها بل أشعلت هذه الدول ثورات مضادة للالتفاف بثورات الشعوب في حين أن هذه الدول تشهد ظواهر اجتماعية وشبابية جديدة وخطيرة كالتزايد الملحوظ في عدد معارضيها السياسيين في الخارج لاسيما من جيل الشباب، وارتفاع نسبة طالبي اللجوء من أبنائها وبناتها، وتزايد نشاطهم السياسي المكثف عبر وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية التي من شأنها أن تسبب عدم الاستقرار في الداخل على المدى البعيد!

فتأجيج الصراعات الطائفية والإقليمية والدولية لاحتكار مستحقات الشعوب في الشرق الأوسط لن تنجح في وقتنا الحاضر لأن شعوب المنطقة قد تغيرت فلم يعد من الممكن خداعهم بنفس الأساليب التي خُدع بها أجدادهم وآباؤهم بل القيام بإصلاحات اجتماعية واقتصادية وسياسية حقيقية هو أحسن وسيلة لقيادة هذه الشعوب المثقفة. فكما يقال: "قد تتمكن من خداع بعض الناس كل الوقت وقد تتكمن من خداع كل الناس بعض الوقت لكن لن تتمكن من خداع كل الناس كل الوقت" لاسيما في وقتنا الحالي الذي يشهد عودة الربيع العربي في كل من الجزائر والسودان.