لماذا كان للساروت ما كان؟

السبت 15 يونيو 2019 03:11 م بتوقيت القدس المحتلة

لماذا كان للساروت ما كان؟

بقلم الكاتب: عماد السيد عمر

شيء من الفراسة في وجوه أولئك المودعين أو قل المفجوعين بفقده، أو في وجوه أولئك المبعدين قسراً عن الحلم المكلومين بفقده، لتَعلم أننا فقدنا شيئاً من الثورة أو ربما فقدنا الثورة كلها. لقد كنا نرى الثورة فيهم، لقد كانوا همُ الثورة ذاتها، كانوا شعلة من الغضب في وجه كل الطغاة، كانوا القلب النابض، كانوا الصوت الصادح بأهازيجها... كان يقضّون مضاجع المجرمين بأغانيهم وأهازيجهم، كانوا لحن الثورة ولونها، لست أدري لم كان المجرمين ملتاعين من بعض القصائد والالحان في الساحات أو على الجدران؟؟ لم كان يؤذيهم هذا الحداء؟ لم ترك الأطفال كل أغانيهم وراحوا يغنون لنا " جنة جنة" و"يلا ارحل يا بشار" و"ياسمين الشام مزهر".

كيف تركت لحنك وغنيت اللحن الثائر؟ حين كانوا يصرخون "يا الله ما لنا غيرك يا الله" كانت لا تخرج من حناجرهم فقط، بل كانت قلوبهم تطير فرحَ التوَّاق إلى الحرية، فرح العصفور الهارب من سجانه يصرخ: أي ظلام كنا نعايش ونتعايش. من استراليا إلى أمريكا الجنوبية، الكل بكى عليه وكأنه يبكي حمزة أو غياث، وكأننا نبكي الحلم الأول.

كنا نريد أن نغني سويا لكنه رحل سريعا تاركا لنا الحمل الثقيل والطريق الطويل، يا من صنعتم من الطاغية وشبه رئيس لكم في شعبكم قامات وقدوات

كيف دبت فينا الروح من جديد؟ أي دماء جديدة تلك التي أشعلتها في قلوب ماتت يا ساروت؟ أي نيران تلك التي عادت للغليان بعد أن أخمدها القتل والتنكيل؟ تلعثم الخطباء والساسة والدهاة أمام نعشك بل قل أمام عرشك.. وتاهت النصوص والكلمات. كيف تموت النفوس وتحيا الأفكار، إنها تركيبة عجيبة لا تكون إلا لمن بذل نفسه للفكرة ذاتها، حين يموت صاحب الفكرة تعلم انه كان صادقا من أجلها، هل كان مضطرا أن يموت حتى تحيا فكرته، ربما يموت جيل من أجل أن تحيا فكرة.

لم تمت الثورة حين مات حمزة وغياث والقاشوش أو جحي مارع، بل أحيت قلوباً قتلها الخوف، لا تموت فكرة مات صاحبها، انه ظن الطغاة، بل ظن الجاهل، ثم يسألك لماذا كان للساروت ما كان؟ حين تغني من قلبك للحرية، حين تصرخ في وجه الظالم مرة بعد ألف مرة، حين تترك كل شيء من أجل وطنك، حين تودع أباك واخوانك قبلك، والخنساء ترمقك بعيون الام الحنون، إلى أين يا ولدي؟ ثم ترحل على درب الشهداء.

من أجل هذا وأشياء أخرى كان للساروت ما كان من الحب الصادق من كل القلوب والالوان وخرجوا جموعا وصلّت قلوبهم عليه في كل مكان وكل منفى وكل شتات، صلّت عليه القلوب الحية والضمائر الصادقة صلاة التوَّاقين إلى الحرية، المشتاقين إلى وطن يعيش في الكل بأمان. حتما لا يشبهه أحد، لا قاطع طريق ولا طالب سلطة ولا عاشق مال أو فتاة، تفرد بين الرجال وسعى إلى ما يريد حتى لو ما كان مع من لا يريد، كان الهدف واضحا جليا أمام حارس الثورة والكرامة، من شوارع العدية إلى إدلب إلى حماة.. حيث كان له ما يريد، تاركا وصيته.. تابعوا الطريق.. لا تقفوا..

كنا نريد أن نغني سويا لكنه رحل سريعا تاركا لنا الحمل الثقيل والطريق الطويل، يا من صنعتم من الطاغية وشبه رئيس لكم في شعبكم قامات وقدوات ورجالات فهم خير لكم من أصنامكم، رجال لبوا نداء النفس والضمير والحرية والكرامة، ترجل الساروت ليلحق بإخوانه على درب الحرية والكرامة، ولكننا حتما سنبقى نغني من بعده... جنة جنة جنة... جنة يا وطنا... يا وطن يا حبيَب.. يا بو تراب الطيب... حتى نبلغ أو يبلغون.