هكذا استقبل العرب العثمانيين في القرن السادس عشر

السبت 15 يونيو 2019 03:14 م بتوقيت القدس المحتلة

هكذا استقبل العرب العثمانيين في القرن السادس عشر

بقلم الباحث في التاريخ الإسلامي: أحمد الظرافي

في مطلع القرن السادس عشر، بدأت أنظار المسلمين، تتطلع نحو القوة الإسلامية الصاعدة في آسيا الصغرى والأناضول، والمتمثلة في الدولة العثمانية، والتي كانت سمعتها في القمة، حينذاك، لذلك زاد الإعجاب بالعثمانيين في الشرق والغرب، وبخاصة في الأوساط الشعبية المستَغَلَة، التي اعتبرت العثمانيين أنصارا للحق، وحماة للشريعة، وأن الله، بالتالي، يمنحهم النصر على عدوهم. ففتحهم للقسطنطينية عام 1453، وانتصاراتهم اللاحقة، لم تكن تُفَسَّـرُ إلا باعتبارها انتصارات إلهية. وكانت الأغلبية الساحقة من المسلمين، تتوق لأن تصبح "تحت الحكم العثماني"، عدا الطبقات الإقطاعية، والأوساط الحاكمة، والأعراب، والشيعة، فقد كان هؤلاء ينظرون للعثمانيين، بعيون ملؤها الكراهية، والبغض. ففي الشرق، رأى المسلمون في قدوم العثمانيين المنتظر، نهاية لكل الشرور، التي يعانيها المجتمع، وانتشرت محبتهم على نطاقٍ واسع، لدرجة أثارت الغيرة والحسد، لدى المماليك سلاطين مصر والشام، حيث انتشرت شائعات تقول أن العثمانيين، من أصل عربي، من قبيلة حجازية، كانت تقطن وادي الصفراء.

في بلاد الشام

ومن مظاهر انتشار محبة العثمانيين، أن الفلاحين في الشام، سارعوا بإعلان الطاعة لهم، ودَعَى لهم العلماء، في خطبة الجمعة، حتى قبل اندلاع المعارك بينهم، وبين المماليك، بمرج دابق عام 1516. ففي أغسطس 1515، رفع الأمراء تقريرا للسلطان المملوكي قنصوة الغوري، قائلين: "أيها السلطان، أرض حلب أفلتت من أيدينا، وانتقلت إلى أيدي ابن عثمان، فاسمه يذكر هناك في خطبة الجمعة، وينقش على النقود". وعشية معركة مرج دابق الفاصلة، قام الفلاحون الشاميون، بمساعدة العثمانيين، على جر المدفعية، ونقل الذخائر، وعمدوا إلى عرقلة تدابير المماليك للتعبئة العامة، وإلى القيام بأعمال معادية لهم، وخرجت مناطق بأسرها عن طاعتهم، وكانت النقمة تنتظرهم في كل قرية ومدينة.

عندما بلغت الجيوش العثمانية مشارف مصر، سارعت الجماهير الشعبية، بالترحيب بالسلطان سليم، كما قدموا المساعدة لجنوده، في القبض على المماليك الفارين

ثم كان نبأ هزيمة المماليك في مرج دابق، مؤشرا لاندلاع انتفاضة في كل من حلب، وكفر طاب، وطرابلس، وصفد، وغيرها، حيث هاجم المواطنون الحاميات المملوكية، وقضوا عليها، ثم عمت الانتفاضات البلاد كلها، وتم الاستيلاء على القلاع، وإسقاط السلطات المملوكية، وبدأت في الأرياف حملة مطاردة حقيقية للمماليك. وقامت انتفاضة في دمشق، واستولى ثوار المدينة على السلطة، ونهبوا منازل الفرنجة، واليهود، ولم تسلم من النهب بيوت العلماء والأثرياء، المتعاونين مع المماليك. وفي 28/8 دخل سليم الأول حلب وسط هتافات الترحيب من المواطنين . وفي اليوم التالي، وأثناء خطبة الجمعة، نودي به "خادما للحرمين الشريفين". وبذلك صار يحمل اللقب الذي كان يحمله حكاّم مصر، منذ صلاح الدين.

وفي 20/9 دخل سليم الأول حماة، وبعد يومين دخل حمص، واستقبل فيهما بنفس الحفاوة. وفي 9/10، دخل دمشق، وسار في شوارعها المفروشة بالحرير، وسط احتفالات مهيبة. واستقبل فيها، وفود طرابلس، وبيروت، وصيدا، وغيرها، والتي سارعت بتقديم ولائها له، كما استقبل أمراء الدروز الجبليين، الذين انحازوا إلى جانب العثمانيين. وقد أجمعت المصادر على أن سليم الأول لقي في الشام استقبالا ترحيبيا غير عادي.

في مصر

وفي مصر سادت المشاعر ذاتها، واعتبر ابن إياس، انتصار العثمانيين على المماليك في مرج دابق، أمرا مقدرا، إذ لا السلطان، ولا نوابه أظهروا إنصافا وعدلا، في رعاية شئون المسلمين، فنالوا جزاء أفعالهم، ووهب الله سلطانهم للعثمانيين. وقد عبّر فلاحو مصر عن غبطتهم بذلك الانتصار، ولذلك امتنعوا عن دفع الضرائب للمماليك، وأخذ فلاحو قرى مصرية بكاملها، يتركون قراهم، رافضين جمع محاصيل الحقول. وفي القاهرة، أقفل الخياطون حوانيتهم، والحرفيون مراكزهم الحرفية، وتعالت في الشوارع الشتائم الموجهة للمماليك.

وعندما بلغت الجيوش العثمانية مشارف مصر، سارعت الجماهير الشعبية، بالترحيب بالسلطان سليم، كما قدموا المساعدة لجنوده، في القبض على المماليك الفارين. وبعد إخضاع القاهرة ، أخذت الإسكندرية، ومدن مصر السفلى، تطارد حاميات المماليك، وأخذ سكانها يوجّهون المندوبين، إلى سليم الأول، للإعراب عن ولائهم. ومع مرور الزمن اكتسبت هذه المشاعر المتعاطفة مع العثمانيين، طبيعة التقليد الغريزي المتجذر عميقا في ادارك أجيال كثيرة، حتى أن المؤرخ الجبرتي، الذي كان يكره العثمانيين، أعرب عن احترامه لهذا التقليد، وأشار إلى أن العثمانيين في بدايات حكمهم، كانوا أفضل من قاد الأمة بعد الخلفاء الراشدين.

بل إن التحيز للعثمانيين انعكس على مشاعر الطبقة الحاكمة ذاتها، فدبّت في أوساطها الخلافات، إذ اعتبر الكثيرون من أفرادها أن العثمانيين يدافعون عن الإسلام حقا. فتولد في قمة السلطة، جو من عدم الثقة، وفقد الحكام أيمانهم بعدالة قضيتهم، مما أضعف مقاومتهم للعثمانيين. وتسرب التعاطف مع العثمانيين إلى صفوف الجيش المملوكي ذاته، فانخفضت درجة انضباطه، وبدأ الجنود يرفضون تنفيذ الأوامر، وأعدم عدد كبير منهم بتهمة الخيانة. وبدأ كثير من القادة العسكريين، وعلى رأسهم خير بك عامل حلب يميلون نحو العثمانيين، وعشية معركة الريدانية (يناير1517)، رفض رجال مدفعية المماليك المغاربة، الاشتراك في القتال ضد العثمانيين، وأعلنوا: " لن نقاتل إلا الفرنجة، لن نقاتل المسلمين".

في العراق والجزيرة والخليج

وفي العراق استقبل المسلمون، انتصار العثمانيين على الصفويين في جالديران (1514) بمظاهر الابتهاج، أما الشيعة فأصيبوا بالغم. وقام الأكراد بانتفاضة، وأعلنوا الانضمام إلى العثمانيين، ودخلت الإمارات الكردية، تحت حمايتهم. وحصلت انتفاضة سنية، في الجزيرة، عام 1515، كان قادتها زعماء من العائلات الكردية، وتم خلالها تحرير ديار بكر من الصفويين، وبالتالي الدخول في طاعة العثمانيين. بيد أن المناطق الوسطى والجنوبية من العراق، بقيت بأيدي الصفويين، والذين انتهجوا سياسة اضطهاد السنة، لكن هذه الممارسات كانت تنمي تعاطف السكان مع العثمانيين.

وفي البصرة والخليج، كان الحنين إلى العثمانيين، يتخذ مظهرا أقوى. فقد انتظر الناس العثمانيين، كمنقذين لهم من جرائم البرتغاليين، الذين كانوا منذ العام 1515 قد ثبتوا مواقعهم بمضيق هرمز، وفي عام 1526 أرسل هؤلاء الحكام، مبعوثين إلى سليمان العظيم، يعلنون له الولاء والطاعة، ووصلت رسائل مشابهة من البصرة، وبغداد.  وفي عام 1529 حصلت انتفاضة قوية، في العراق الأوسط ضد الصفويين المحتلين، وتمكن قائدها من دخول بغداد، وأرسل مفاتيح بغداد، إلى سليمان العظيم، وصدر الأمر بالدعاء له في خطبة الجمعة، في جميع المساجد. بيد أن الصفويين استطاعوا استعادة بغداد، فيما بعد.

وفي عام 1533 شن السلطان سليمان العظيم، أولى حملاته الضخمة على بلاد فارس، وبعد اكتساحها، توجهت الحملة إلى العراق، فاستقبل الناس سليمان العظيم، في سهول مابين النهرين، بالسرور والترحيب. وفي بغداد حصلت انتفاضة بزعامة علماء السنة، فانقض المواطنون على حامية المدينة الصفوية، وأخذت المدن العراقية، الواحدة تلو الأخرى، تعلن الانضمام للعثمانيين. وفي 2/1/1534 تم الاحتفال الكبير، بدخول سليمان العظيم إلى بغداد، بعد تطهيرها من الصفويين. وفي عام 1538 وصلت إلى اسطنبول بعثة حاكم البصرة، ملتمسة القبول في التابعية العثمانية، ومقدمة هدايا، ومفتاح المدينة. وأعلن الانضمام إلى العثمانيين، حكام إمارات الفرات الأسفل، والخليج، ونجد، فأصبحوا كلهم تحت حماية العثمانيين، ومنحوا ألقابا عثمانية.

في شمال أفريقيا

وفي شمال أفريقيا لوحظت ظاهرة مماثلة، فقد كان الفلاحون، وسكان المدن، في هذه البلدان، يعتبرون العثمانيين، حماة ومنقذين. فقد رحَّب المؤرخ التونسي ابن أبي دينار، وبفرح ظاهر، بكل انتصار يحققه العثمانيون. ومن يقرأ كتابه "المؤنس" يتكون لديه انطباع عن التعلق المطلق بالحكم العثماني، لدى شريحة كبيرة من سكان المدن، في حين كانت غالبية الفلاحين تقف إلى جانب العثمانيين. ولم يكن في تونس مكان آهل بالسكان، إلا انتشرت فيه فئات كبيرة من الناس تؤمن إيمانا جديا برسالة العثمانيين، وهي الفئات التي رحبت بالعثمانيين بصفتهم محررين، ومحاربين بواسل في مقاتلة أعداء الإسلام، واستقبلتهم بالحفاوة والتكريم، وحاكت لهم الرايات، وتحول بعض القادة البحريين العثمانيين إلى أبطال شعبيين، مدافعين عن الشريعة الحقة، فكانوا يُستقبلون بحرارة في موانئ المغرب.

وفي التراث الشعبي، كان اسم "التركي"، يذكر مقرونا بأعلى درجات المديح والثناء. ومن الأقوال الشعبية أن سيدي محرز نفسه، هو الذي طالب العثمانيين، بفتح تونس عام 1574. وعند احتدام المعارك مع الأسبان قام فلاحو تونس بحفر الخنادق للجيش العثماني، وساعدوه في نقل الأثقال، وقبيل دخول العثمانيين مدينة تونس اندلعت في المدينة انتفاضة عارمة، وخاض السكان المحليون حرب شوارع حقيقية ضد المحتلين الأسبان، فتكبد الأسبان خسائر فادحة، وأجبروا على ترك المدينة.

وفي 12/7/1574، وبينما كانت حرب الشوارع في مدينة تونس تبلغ ذروتها، أنزل سنان باشا قواته في مدينة قرطاجة، وانتشر نبأ الإنزال بسرعة البرق، في طول البلاد وعرضها، فأثار هستيريا جديدة من مشاعر التعاطف مع العثمانيين، والترحيب بهم. وأما في الجزائر فقد أخذ الفلاحون ينخرطون في صفوف الجيش العثماني للتعويض عن خسائره البشرية، فشكلوا وحدات أساسية فيه للجهاد في سبيل الله، واستعدادا لفتح الأندلس من جديد. وعلى هذا النحو أيضا اُستُقْبٍل العثمانيون، في اليمن، وشرق أفريقيا، وغيرهما.