الحج ورحلة الغفران

الأحد 07 يوليو 2019 11:38 ص بتوقيت القدس المحتلة

كظامئ الطير حواماً على الماء، هذا حال أفئدتنا المتعطشة لمغفرة الله جل في علاه تبحث عن بحر الغفران الإلهي لترتوي منه، تلك الأفئدة التي رماها خليل الرحمن إبراهيم بسهم من أسهم دعوات الرسالة الإلهية، عندما نادى ربه بحرقة الأب الحنون الذي يخشى على ابنه الوحيد وزوجه، فامتزج نداؤه بروح النبوة وروح الأبوة معاً وارتفع النداء إلى السماء " فاجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم " فخرج الدعاء من القلب إلى الرب ومن الرب إلى قلوب عباده المؤمنين الموحدين، وهنا بدأت رحلة الغفران للقلوب التي أتعبتها الذنوب، فأصبحت تبحث عن المكان الذي انطلق منه السهم لتهوي إليه.

"رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ" يا لها من كلمات عظيمة ومؤثرة تجعل القلب يعتصر شوقاً لذلك المكان الذي أشار إليه نبي الله إبراهيم بهذا الدعاء الرهيب، كيف كان ذلك يا نبي الله، ولماذا خرج منك هذا النداء المفعم حباً وخوفاً وشوقاً، وجعلتَ قلوبنا صيداً لهذا النداء يجرّنا إلى حيث خرج منه، وإليكم سببَ هذه الدعوة الإبراهيمية، كان خليل الله إبراهيم متزوجاً من امرأة اسمها سارة وسارة لم تستطع أن تنجب ولداً لسيدنا إبراهيم لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى، وبطبيعة الرجل البشرية تتوق روحه أن يكون له ولد، ونبي الله إبراهيم هو بشر ككل البشر من حيث الطبائع بيدا أن الله اصطفاه رسولاً كغيره من الرسل، فجاشت الطبيعة البشرية في قلبه ورغب بشدةٍ أن يكون له ولد، ودعا ربه كثيراً لأجل ذلك، لكنّ الله لم يشأ أن ينجب له من زوجه سارة في بداية الأمر، وإن أصبحتْ فيما بعد أماً لنبي الله إسحاق بن إبراهيم عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم.

استجاب الله سبحانه لدعوة إبراهيم وتحقق كل ما طلبه من ربه، بداية بالرزق والماء لابنه وزوجه، وتبع ذلك دعوة الهوى والعشق لذلك المكان الطاهر المبارك عند بيت الله الحرام

لما رأت السيدة سارة رجا زوجها إبراهيم عليه السلام وإلحاحه بأن يكون له ولد، مع علمه ويقينه المطلق بأن الله يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور ويجعل من يشاء عقيماً، ولا يغيب عن إنسان مؤمن بقضاء الله وقدره ناهيك أن يكون نبياً بأن العقم أيضاً هبة من الله عز وجل يهبه لمن يشاء لحكمة بالغة يريدها، لكن كما أسلفنا سابقاً دفعاً من الطبيعة الإنسانية يرجوا نبي الله إبراهيم بأن يهب الله له ولداً، هنا رقت السيدة سارة لحال نبي الله إبراهيم ووهبته جاريتها _واسمها هاجر_ علّ أن تتحقق رغبته ويُرزَق بالولد، وماهي إلا أشهر قليلة حتى رزقه الله سبحانه وتعالى الولد من أمنا هاجر، فكان نبي الله إسماعيل بن إبراهيم قرةَ عينٍ لأبيه إبراهيم عليه السلام وفرح به فرحاً شديداً.

ولكن كما هو المعهود لدى النساء دبت الغيرة في قلب السيدة سارة زوج إبراهيم الأولى، شأنها شأن بقية النساء، فغارت من هاجر كيف أنجبت الولد لإبراهيم، وغارت من حب إبراهيم الشديد لولده إسماعيل الذي ُرزِقه بعد عناء طويل، فأراد الله سبحانه وتعالى أن ينزع الغيرة من قلب السيدة سارة أو أن يخفف ذلك منها، فأوحى الله إلى خليله ونبيه إبراهيم أن يأخذ هاجر ورضيعها إسماعيل إلى مكة، ليس هكذا فحسب بل أن يتركهما هناك، فلك أن تتصور أخي القارئ كم هذا الأمر شاقاً على نبي الله إبراهيم، حيث إنه سيترك ابنه الذي جاءه بعد حين في مكان لاجليس فيه ولا أنيس سوى أمه ويعود.

تنفيذ الحكم الإلهي

كما هو المعهود عند الرسل الكرام امتثل نبي الله إبراهيم لأوامر ربه دون النظر إلى الأسباب والنتائج تسليماً كاملاً مكللاً بالرضى والإذعان، فأخذ هاجر وولدها إلى مكة وتركهم هناك، حيث لا إنس ولا ماء ولا زرع، بل هي صحراء جرداء وجبال شاهقة وشمس تذهب بالأبصار، وقبل أن ينصرف إبراهيم ويتركهم تكلمت أمنا هاجر بكلمات كانت درساً لنساء الكون ورجاله، قالت: يا إبراهيم هل هو أمر أمرك الله به فقال: نعم فقالت: إذاً لن يضيعنا، يا له من درس في الإذعان لأوامر الله واليقين بحُكمه، ويا لها من موعظة لنساء الكون في السمع والطاعة والوقوف مع الرجال في محنهم الصعبة، انصرف نبي الله إبراهيم وفلذة كبده وزوجه بوادٍ غير ذي زرع، هنا نعود بكم إلى أسباب دعوة إبراهيم وأذكركم بها عندما تكلمنا في مطلع الكلام عن سبب الدعاء، وسردنا هذه القصة لإيضاح ذلك، انصرف إبراهيم وقلبه مع ابنه وزوجه ولا يملك من الأمر شيئاً مقابل حكم الله وأمره.

لكن هناك أمر تركه الله لنا في كل وقت وحين وهو سلاح قوي بيدِ المؤمن وهو الدعاء، ولا يغيب هذا عن نبي من أولي العزم فرفع بصره إلى السماء، وقلبه معلق بابنه وزوجه وممتثل لأوامر ربه، فنطق بتلك الدعوة الصادقة التي حصدت الكثير من الأفئدة، وستبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، "ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون" قال هذه الكلمات وانصرف، وماهي إلا ساعات قليلة من رحيل إبراهيم عليه السلام نفد الماء والطعام الذي كان مع أمنا هاجر، فبدأت تبحث عن مخلوق في هذه الأرض أو زرع أو ماء، فأخذت تجري هنا وهناك، فتارةً تصعد إلى جبل الصفا وتارةً إلى جبل المروة بحثاً عن مبتغاها، وكررت السعي بين الجبلين سبع مرات تحت أشعة الشمس المحرقة، وفوق لهيب الرمال لكن دون جدوى فلم تجد شيئاً، وعند ذلك بعث الله ملكاً؛ ليفجر عيناً من الماء _ عين زمزم _ تحت قدمي إسماعيل ليرتوي هو وأمه ولتصدق دعوة إبراهيم عليه السلام.

رحلة الغفران الحقيقي هي رحلة الحج العظيم، فميل القلوب إلى ذلك المكان الطاهر المعشوق يكون أكبر عندما تكون مثقلةً بالذنوب، فيزداد الهوى لذلك المكان برغبة التخلي والخلاص من ثقل المعاصي

دعوة الهوى والعشق

استجاب الله سبحانه لدعوة إبراهيم وتحقق كل ما طلبه من ربه، بداية بالرزق والماء لابنه وزوجه، وتبع ذلك دعوة الهوى والعشق لذلك المكان الطاهر المبارك عند بيت الله الحرام عندما قال: فاجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم، فما زالت القلوب تهوي إلى ذلك المكان مرغمة دونما أية إرادة إلى يومنا هذا، فإبراهيم قال: تهوي ولم يقل تهوى، وهناك فرق بين اللفظين فكلمة تهوي تعني السقوط على مكان دون أي إرادة كما يهوي الحجر إلى الأرض من علو، فمن العجيب أن يعشق الإنسان مكاناً لا زرع فيه ولاماء ولا حدائق وأنهاراً، ويدفع كل مايملك من أجل الوصول إلى ذلك المكان، ومن الأعجب أن يعشق الإنسان ذاك المكان دون أن يراه، ويهوي قلبه إليه ويترك الأفضل منه خضرةً وازدهاراً.

ولكي يزداد العجب لدينا نرى الإنسان لايقوم بعبادة لايستطيعها إلا الذهاب إلى الحج ليزور ذلك المكان، فتجد المسلم غير المكلف يفعل المستحيل ليتمكن من الذهاب إلى حج بيت الله، إنها الدعوة الإبراهيمية إنه سهم الهوى والعشق الذي جلب أفئدة المؤمنين إلى مكان إطلاقه، وتكتمل هذه الدعوة بأمر الله عزوجل نبيَه إبراهيم أن يؤذن في الناس بالحج، ليزداد الناس شغفاً لتلك الديار، ويلتهب الشغف عندما يصبح الحج الركن الخامس من أركان ديننا الحنيف، هي دعوة وأذان من إبراهيم فَعَلا كل هذا؛ لتكون رسالة مبطنة من الله لعباده بأن لايحملوا هم الدعاء، فالدعاء من العبد والإجابة من الله، والدعوة من الداعي والإبلاغ من الله، ولو لم يكن كذلك فكيف وصل نداء إبراهيم إلى كل المعمورة وهو بواد ميت لا روح فيه.

رحلة الغفران

رحلة الغفران الحقيقي هي رحلة الحج العظيم، فميل القلوب إلى ذلك المكان الطاهر المعشوق يكون أكبر عندما تكون مثقلةً بالذنوب، فيزداد الهوى لذلك المكان برغبة التخلي والخلاص من ثقل المعاصي على القلب، تهوي القلوب مثقلة بالذنوب إلى ذلك المكان، تماماً كما يفعل من احترق جسده بالنار فيلقي بنفسه إلى الماء لينقذها ويريح جسده، وهكذا هي الذنوب تحرق القلوب وتجد الخلاص عندما تهوي بنفسها إلى بيت الله عزوجل، ولاشك بأن المغفرة ستتحقق إن شاء الله، وسيتخلص من ألقى بنفسه في هذه الرحلة من درن الذنوب، وقد أكد لنا ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال في الحديث الصحيح: " من حج فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه " وقال أيضاً: " الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " ربنا إنك تعلم بأن القلوب تعشق ذلك المكان مرغمة، فبحق هذا العشق وهذا الهوى أكرمها بزيارة بيتك الحرام، وأكرمها برحلة الغفران، واسقها من بحر غفرانك العظيم.