المصالحة وتجلياتها !

الإثنين 08 يوليو 2019 11:22 م بتوقيت القدس المحتلة

المصالحة وتجلياتها !

بقلم / د. صلاح البردويل

المصالحة هي المفهوم المخالف للخصومة .

فما مظاهر الخصومة التي حلت بشعبنا، و ما أسبابها؟ لنخلق المناخ المخالف لها ؟.

قد تكون البداية سياسية ، ارتبطت باتفاقية أوسلو ، حيث رأى فيها البعض اجتهادا سياسيا عبقريا ، و تكتيكا ناجحا ، في ظل البيئة الرديئة التي نشأت بعد حرب الخليج ، و بعد الضربة القاسية التي تلقتها المقاومة في بيروت أثناء العدان الصهيوني، في ظل خذلان عربي و تواطؤ دولي ، فكان التوجه من القيادة الى استثمار ورقة القوة الفلسطينية الوحيدة ٱنذاك ؛ ورقة الانتفاضة ، لاستنقاذ ما يمكن استنقاذه من الحقوق الفلسطينية ، و وضع القدم على أرض الوطن ، و المراكمة و التحايل على التحديات وصولا إلى إنجاز ٱكبر .

أما الفريق الٱخر من شعبنا فرأى أن ما حدث كان تنازلا خطيرا عن الأرض ، و استفرادا بالقرار ، و استعمالا سيئا لمنظمة التحرير لتمرير هذا الاتفاق المجحف ، في الوقت الذي كانت الانتفاضة تحقق فيه ضغطا كبيرا و انتصارا شعبيا على الاحتلال .

و لقد تعزز هذا الانشقاق في الرأي السياسي بتصعيد على المستوى الأمني و مستوى حقوق الإنسان ، و أفعال خارجة عن السلم المجتمعي الفلسطيني ، و انتقل الفعل و رد الفعل الى النسيج الاجتماعي ، و كان ما كان من تداعيات أدت إلى الاقتتال فالانقسام ، فالانتقام فالعقوبات .

كل الحوارات و كل الاتفاقات لم تجد نفعا ، لأنها ركزت فقط على إيجاد صيغة لإنهاء الانقسام الإداري المتمثل في الحكومة و ملحقاتها.

المطلوب اليوم فتح كل الملفات بشجاعة و مسئولية بعيدا عن التمسمر عند اوهام الأبوة و المرجعية الوحيدة ، و أوهام القوة و الاستقواء ، و الاستاذية العرجاء.

مطلوب أولا ترميم النسيج الاجتماعي من خلال استكمال مشروع جبر الضرر الاجتماعي الذي نتج عن الأحداث المؤسفة فورا ، لأن أي مصالحة لا تقوم على قاعدة شعبية لا تنجح ، علما بأن هذا المشروع قد انطلق في غزة و لاقى ترحيبا كبيرا يعكس أصالة شعبنا و استعداده للعض على الجراح من أجل استعادة الوحدة.

الخطوة الهامة الثانية التي يجب البدء بها فورا وقف حالة النزيف في جسد المجتمع الفلسطيني و ذلك بممارسة التحريم للاعتقال أو الحرمان على قاعدة المخالفة في الرأي السياسي الوطني - نستثني العملاء للاحتلال فقط - و ذلك لإشاعة جو من الحرية و احترام حقوق الإنسان الفلسطيني الذي يستحق كل الاحترام ؛ فلا دولة بلا انسان و لا انسان بلا حرية .

أما الخطوة الثالثة لإنجاز المصالحة فهي التوافق على شكل النظام السياسي الفلسطيني و مضمونه ، و يبدأ ذلك بالإجابة الصريحة على السؤال التالي :

هل نحن في مرحلة تحرر و مقاومة ؟ أم في مرحلة دولة مؤسسات ؟ أم أننا بإزاء نظام سياسي يجمع بين الأمرين ؟

إن الحكم على شكل النظام و طبيعة القيادة هو فرع عن تصور طبيعة المرحلة التي نعيش ، و بالتالي تصبح حواراتنا مبصرة مثمرة ، لا عمياء عقيمة .

لذلك لا بد من الجلوس إلى طاولة الحوار المسئول لرسم خارطة طريق لاستئناف استعادة الوحدة الحقيقية التي لا تغابن و لا تشاطر و لا مخادعة فيها.

إذا توصلنا إلى أننا في مرحلة تحرر ، و أن منظمة التحرير هي قائدة المرحلة ، و أنها الممثل الشرعي و الوحيد للشعب الفلسطيني كله ، و أن حماس و الجهاد و كل المكونات التي نشأت خلال الأربعين سنة الأخيرة هي جزء أصيل و هام في هذا الشعب ؛ فلا بد من التأكيد على ضرورة مشاركتها في عملية التمثيل ، و أن القيادة انعكاس واقعي لموازين القوى ، و ذلك أما بطريق الانتخابات و إما بالتوافق ، و أن القرارات المصيرية - سلما أو حربا - ليست حكرا على طرف من الشركاء ، سواء كان يشكل أغلبية أو أكثرية .

أما إذا نظامنا مشتركا ، فأن هذه القاعدة تنسحب على مؤسسات السلطة المختلفة ؛ حكومة أو برلمانا أو رئاسة. و أن البرنامج السياسي ،و الاجتماعي و الأمني ، و برنامج المقاومة جميعها نتاج للتوافق الوطني الذي اداته النهج الديموقراطي ، و استشعار المصلحة الوطنية.

إن ثقافة الهيمنة و السيطرة و التهويش و التفرد في اتخاذ القرار ، و إقصاء الٱخرين هي ثقافة انتحارية لا تقتل ألا صاحبها ، و هي سياسة ثبت فشلها في محطات عديدة ، و قضت على هيبة المؤسسات الفلسطينية ، و مزقت الصف ، و أغرت بنا الأعداء و الأصدقاء.

أن الاتفاقيات التي تم توقيعها عام ٢٠٠٥م و ٢٠٠٦ م و٢٠١١م و ٢٠١٧م تحمل في طياتها بعض الغموض النابع من محاولة الوسيط أرضاء جميع الأطراف ، والتقريب بين وجهات النظر المتباعدة ، و قد أدى ذلك إلى أن يفسر كل طرف هذه الكلمات و العبارات الغامضة وفق وجهة نظره الخاصة ، الأمر الذي أعادنا مرة أخرى إلى الجدل و الخصام ، و انعكس ذلك على مصداقية الفصائل أمام الشعب.

لذلك فأن الحوار المباشر القيادي المسئول عل طاولة القيادة المؤقتة للمنظمة ضروري لاستناف تطبيق المصالحة و تطوير نتائجها.

أننا نناشد الجميع مغادرة حالة التشنج و الفهم المشوه للوحدة الوطنية ، و مغادرة أوهام الاستعلاء التي تفتقد إلى أي رصيد في الواقع .

و لا يكونن أحدنا - كما يقول المثل الشعبي - " شحاد و بيتشرط " !.