شعب إسرائيل المتفكك

الثلاثاء 09 يوليو 2019 06:57 م بتوقيت القدس المحتلة

شعب إسرائيل المتفكك

بقلم الكاتب والمدون: علاء ابو مويس

لا أعلم ولا أود أن أعلم لماذا يرغب الإعلام العالمي بشتى منصاته بتصوير الشعب اليهودي الصهيوني الذي يعيش في دولة الكيان بأنهم على قلب رجل واحد في قضيتهم التي يظنون بأنها عادلة، ويعيشون بسلام داخلي ما بعده سلام ولا تكمن مشاكلهم إلا في المحيط الخارجي الذي يعيشون فيه، لست هنا للتباحث في شأن مدى تجبرهم وطغيانهم في قضيتهم، كما أنني ليس لي حاجة بشحن القارئ العربي من خلال هذه السطور والذي قد امتلأ غيظًا وهو يراقب ما يجري في الشرق الأوسط في الوقت الراهن تحت مسمى "صفقة القرن" ولكن ما يجري حاليًا في شوارع فلسطين المحتلة من شغب يقوده اليهود من أصل إثيوبي ضد الدولة على إثر تداعيات العنصرية المتغلغلة في المجتمع قد استثارني لأكتب هذه السطور وأسرد هذه الحقائق.

بداية لنكون على مقربة أكبر من الحدث، تجري الآن في دولة الكيان مظاهرات عنيفة ولا سلمية يقودها يهود إثيوبيا والذين يرفعون لوحات تقول "حياتي مش رخيصة"، وتحاول شرطة الكيان الصهيوني تطويق هذه المظاهرات الجامحة، وكان سبب نشوب هذه الأحداث قيام شرطة الكيان بقتل أحد اليهود من أصل إثيوبي بدم بارد والذي يعد القتيل الثالث خلال عامين، - قبل أن أكمل السرد وصف لي أحد الذين عملوا في دولة الكيان مدى الدناءة التي يتم التعامل بها مع هؤلاء اليهود ووصفهم بأنهم يعاملون كأنهم مواطنون من الدرجة الثانية -، ولم تكن تلك المظاهرات الأولى من نوعها فلطالما قد ثار اليهود الإثيوبيون خلال العامين الماضيين لأسباب متعلقة بالتمييز العنصري، المظاهرات قد شلت المدن الرئيسية وحركة النقل في الطرق العامة، كما قد مارس المتظاهرون التخريب للممتلكات العامة والخاصة من سيارات ومحال تجارية وممتلكات حكومية بكافة أنواعها، وقد استخدمت شرطة الكيان العنف الشديد لقمع المظاهرات، فكانت قد أصابت واعتقلت العشرات.

تبلغ أعداد اليهود من أصل إثيوبي في دولة الكيان اليوم 150 ألف، وتعود العنصرية ضدهم إلى سنين طويلة، حيث لم تستقبل المدارس أعدادًا كثيرة منهم بسبب لون بشرتهم، وقد وصلت العنصرية كذلك إلى إلقاء وحدات الدم التي يتبرعون بها في القمامة خوفًا من انتقال أمراض معدية ووراثية، ويرفض بعض الأطباء اليهود البيض معالجة أي منهم، عدا عن نبذهم وإجبارهم على العيش في عزلة والتشكيك في يهوديتهم، وقد حاولت حكومة الكيان امتصاص الغضب من خلال استقدام 602 إثيوبي من أديس أبابا.

كشفت هذه المظاهرات عن هشاشة البنية الاجتماعية في دولة الكيان، وعن تغلغل العنصرية بين شتى طوائفهم، ولك أن تعلم بأنه ينقسم الشعب الإسرائيلي اجتماعيا إلى قسمين أساسيين : فئة اليهود الشرقيين (سفارديم) ومنهم يهود إثيوبيا، واليهود الغربيين (الأشكناز)، وبطبيعة الحال فإن الهيمنة في مؤسسات الدولة وعلى صعيد المجتمع تؤول الأشكناز، ويحاول الأشكناز فرض اللون الغربي حياتيًا وثقافيًا في مجتمع الكيان مما يفرض عليهم عدم التسامح مع السفارديم لمجرد الاختلاف اللغوي والثقافي وحتى على صعيد البشرة.

وقد أثار هذا الحقد والكراهية والانقسام، وأذكر هنا نقلًا عن كتاب "إسرائيل ومصير الإنسانية" ما أوردته إحدى اليهوديات الأشكناز صاحبة درجة علمية مرتفعة : "صحيح أننا نكرههم وهم يكرهوننا، إننا إسرائيليون وهم إسرائيليون، يبدو أن سورًا كبيرًا يفصل بيننا، إننا نعيش مستويات مختلفة ومفاهيم مختلفة، إننا نتحدث بشكل مختلف، ونفكر بشكل مختلف، إن هذا لأكثر من مجرد طائفتين، إنه بمثابة شعبين مختلفين، صدقني هذه ليست عنصرية، ليست مسألة لون جلد، ولا مسألة البلد الأصلي، إن الذي يحدث ناجم عن الكراهية الثقافية، إنني أكرههم لأنني أتخوف من الانتقال ليلًا في تلك الشوارع التي يتجولون فيها، إنني أكرههم بسبب نظرتهم وبسبب كلماتهم البذيئة التي يطلقونها خلفنا، وبسبب الأعمال الخسيسة التي يحاولون القيام بها ضدنا، إنني أكرههم لأنهم يلوثون المباني ويقومون بتدمير الممتلكات العامة ويمقتون الجمال ويستحسنون الوساخة، إنني أكرههم لأنهم يكرهوننا لأننا ألطف منهم وأجمل، فبدلًا من أن يحاولوا أن يكونوا مثلنا، فهم يحاولون أن نكون مثلهم"، ولعل ما أوردته هذه اليهودية الأكاديمية يعطي تصورًا كاملًا عن تغلغل الحقد والتشرذم في المجتمع الإسرائيلي، عدا عن تشكيل أحزاب مبنية على جوهر هذا الاختلاف كحزب "شاس" الخاص بالسفارديم .

يعيش على أرض مساحتها 30 ألف كم مربع شعب عدد أفرادهم 5 ملايين تقريبًا، هذا الشعب يتحدث 40 بالمئة منهم 12 لغة مختلفة ولا يجيدون اللغة العبرية وكان منهم " أرئيل شارون"، ولك أن تتخيل صعوبة الحياة اليومية والغربة المجتمعية التي يعيشها الأفراد في ضمن هذا التشرذم العميق والذي فرضته طبيعة الشعب المهاجر من دول مختلفة وأدى إلى ذلك إلى تشكيل جماعات صغيرة كيهود فرنسا وإيطاليا وروسيا، وربما يعيش هؤلاء في غربة أكبر من الدول التي جاءوا منها، كيف لا وهم يواجهون صعوبات يومية شتى في التواصل مع أبناء شعبهم، هل تعلم بأن منصب حاخام القدس قد بقي شاغرًا 11 عامًا بسبب خلافات دينية حوله، هل تعلم بأن شرطة الكيان قامت بما لم يقم به عرب الداخل بإحراق كنيس تابع لجماعة أمناء القدس في عام 1985م، وكما قام العلمانيون بإحراق كنيس عدة مرات في عام 1986 م وذلك ردًا على قيام الجماعات المتدينة بتمزيق الدعايات الخلاعية في المرافق العامة، ألا ترى أن هذا نتيجة للاختلاف العميق والفئوية التي يعيشها الخمسة مليون نسمة الذين جاءوا من خلفيات مختلفة، وعمّق هذه الخلافات خطابات المصالح الجارية حاليًا والمستمرة في الدولة.

وأختم هذه المدونة بما أورده زعماء الدولة والسياسيون عن بعضهم البعض في صورة تبين كمية الخلاف والحقد والنزاع الداخلي، بن غوريون وصف صديقة أشكول بأنه "خائن وعديم الأخلاق وكذاب خطر على بلاده" ووصف مناحيم بيغن بأنه "نازي سفاح سيقضي على الدولة اليهودية"، وقد نعت بيريز مناحيم بيغن أيضًا بأنه "زعيم مهزوم"، بينما يصف حاييم وايزمن بن غوريون بأنه "فاشي لعين"، ووصف بارليف شارون بأنه "مختل عقليًا"، فإن كان هذا حال علية القوم فسأدع العنان لخيالك لتصور الحال في بقية أفراد القوم.