دعاية تحريض

السبت 13 يوليو 2019 04:11 م بتوقيت القدس المحتلة

تخبرنا الدعاية- بعد فحص مبادئها البنائية التي أرساها الفيلسوف الفرنسي "جاك ايلول"- أن التحريض سري، والإدماج علني. أي أن تحفيز السلوك للانقلاب على مفاهيم سائدة أو الاعتراض عليها، يحتاج إلى مسار عمل سري غير معلن، لا تشعر به الفئة المستهدفة، ولا تستطيع تحديد مصدره، أو رصد أهدافه. وبالإسقاط على التصريح الذي أدلى به قائد في المقاومة الفلسطينية لقناة "روسيا اليوم"، نجد أن الدعاية أعلنت عن مصدرها، وأوضحت أهدافها، ما يعني أننا أمام مقاربة اشتغال جديدة غير مألوفة في علم التأثير النفسي الموجه. ونحن خلال محاولتنا فهم هذا السلوك الدعائي غير المعهود، نتساءل عن السبب الذي دفع المقاومة للجز بورقة الأسير "إبرهام منغستو" في الحراك الدائر داخل "الكيان"؟ وفي أي سياق دعائي يمكن تفسيره؟ وهل من الممكن تحقيق اختراق حقيقي يستجيب لأهداف المقاومة؟

وحتى نستطيع الإجابة عن التساؤلات أعلاه، لا بد من تفكيك الجهد الدعائي، وإعادة تجميعه بصورة تسمح بقراءته منطقياً. لذلك، وفيما يتعلق بخصائص الفعل، يتضح أن التحريض الذي تستخدمه المقاومة الفلسطينية حالياً، يرتكز على إثارة الكراهية، عبر استغلال ورقة العنصرية الطبقية والعرقية المتفشية والمتجذرة داخل المجتمع "الإسرائيلي"؛ وهي بذلك تستجيب لأحد شروط الدعاية في قراءة مجتمع الخصم وتحديد نقاط ضعفه، ثم تصميم رسائل بمقاس "توكسيدو"، تحقق من خلالها اختراقا محدودا لوعي الفئة المستهدفة. وبلغة أخرى، فإن التوجه نحو الطبقات الأمية أو محدودة المعرفة يسهم في رفع نسبة نجاح عملية التأثير مستقبلاً، لما تتميز به هذه الفئة من اندفاع عاطفي، لا عقلاني. يدعم هذا التفسير أن فئة "الإسرائيليين" من أصول أثيوبية تدخل ضمن حيز الفئات الأقل حظاً على مستوى التعليم. ولكن ما سبق، لا يعني تحصيل نتائج فورية، إذ إن من متطلبات دعاية التحريض السير على مراحل هادئة، تكتفي خلال الأولى بالتغلغل نحو العقل الباطن، ثم قضاء حالة سبات، إلى أن يتم استدعاؤها من جديد عند الحاجة. وهذه الأخيرة هي الهدف الحقيقي من وراء السلوك الدعائي المعلن للمقاومة. فهي تريد المساهمة في تشكيل الوعي المكاني والزماني لدى طبقة "الاثيوبيين"، للاستفادة منها على مستوى التخطيط الإستراتيجي المتعلق بملف الأسرى الفلسطينيين في سجون الكيان.

ولعل الطريف في الفعل الدعائي للمقاومة، أنه سيضطر "إسرائيل" إلى مواجهته باستخدام دعاية "الإدماج"، أي انها ستحاول احتواء الغضب "الاثيوبي"، إما بالتنازل أو المفاوضة. وفي كلا الحالتين، يمكن استغلال ذلك لتحقيق مزيد من التأثير الهادئ، عبر الاستفادة من حقيقة سعي "إسرائيل" إلى دمج هذه الفئة بصيغة التبعية السلبية للمجتمع، لا صيغة الدمج الايجابي الفعال القائم على المساواة. وهنا لا بد من كلمة، فالتحريض خلال الأزمات يقوم على تغذية مشاعر الكراهية والرفض، وما أن تنتهي حتى يبدأ الإدماج. لذلك، فالانتفال بالجمهور من مرحلة تحريض إلى ادماج بشكل سريع ومباشر، أمر معقد للغاية، ويفتح لثغرات كثيرة في جدار المجتمع. وهنا تحديداً فرصة المقاومة في تحقيق مزيد من الاختراق في جدار الوعي الطبقي داخل الكيان، ثم مراكمتها، وتحويلها من صيغة الفعل الموسمي إلى صيغة الفعل الإستراتيجي المدروس.