هل آن لكعك العيد أن يقدّم في السودان؟

الإثنين 15 يوليو 2019 08:01 م بتوقيت القدس المحتلة

هل آن لكعك العيد أن يقدّم في السودان؟

بقلم المدون السوداني: حاتم صالح

في يوم 30 يونيو تفرقنا أنا ورفقائي عندما اعترضَت الموكب المتدفق في شارع المطار -نحو القصر الجمهوري في الخرطوم- ميليشيات الدعم السريع "الجَنْجَويد". في تلك الأثناء أعاد دوي طلق ناري للأذهان مشاهد فض اعتصام القيادة العامة الدامي في آخر أيام رمضان. وبعدما بدا لي أن الوصول إلى القصر بات غير ممكن، مررت في الزحام بعربة أجرة صغيرة (ركشة) طلبت من صاحبها أن يأخذني إلى البيت. لكن ما لبثت الركشة أن تعطلت، فأخذ هو في إصلاحها وأخذت أنا في النظر إلى الثوار السلميين من حولي -ما بين واقف متّشح بعَلم، وجالس في عرض الطريق ("صابّيها")، وآخرين يطوفون بالطبل- يهتفون بمدنية الدولة إلى غير ذلك من شعارات الثورة وقيمها.

وربما ظن الذين فضّوا اعتصام القيادة بتلك الوحشية، ولم يتورعوا عن استهداف المواطنين العُزّل قتلا وحرقا وعنفا جنسيا، أنهم بذلك قد كسَروا إرادة أمة وسحقوا كبرياءها -بل أنهم سلّموا عاصمتها (بما في ذلك القيادة العامة للقوات المسلحة) إلى ميليشيات الدعم السريع المتورطة في جرائم إبادة في مناطق دارفور وجنوب كُردُفان والنيل الأزرق. ثم أغلقوا وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت تسترا على تفاصيل مجزرتهم في قلب الخرطوم، حتى حين، وصدّا للناس عن التجمع والتظاهر. وأخيرا اصطنعوا جموعا موالية لهم روّجوا لها في إعلامهم الرسمي.

بين الحين والآخر تمر بنا إحدى مَركبات "مكافحة الشغب" ذوي الزي الأزرق المموّه، في طريقهم إلى قمع طليعة الموكب المليوني الذي تركتُه خلفي

فلم يُجْدِ ترويع الآمنين، ولا جعل البلاد ثُقب معلوماتٍ أسوَد، في تقزيم شعب أصبح ملهما لغيره من الشعوب في كيفية انتزاع حقوقه الأساسية - فجعَل السودان كله ميدان اعتصام. إن وعي الجماهير الجمعي وقدرتها المتجددة على التعبئة السلمية في أحلك الظروف وأعقدها هما سيفها المسلط على الجنرالات إن أرادوا نكوصا أو خيانة، وهما الضامن على الأرض لأي اتفاق موقّع. بعد جهد واستشارات تمكن صاحب الركشة من أن يشغّل محركها، لكنني غيرت وجهتي في ذلك الوقت طالبا منه أن يأخذني إلى القصر الجمهوري إن وجد إليه سبيلا. تمكن الشاب النحيل من أن يوصلني بمهارة وخبرة إلى مكان ليس ببعيد عن شارع القصر، تابعت منه السير مشيا على الأقدام.

بدا شارع القصر هادئا هدوءً مشوبا بترقب مَخُوف. وإذا بصاحبة مقهى متنقل (سِت شاي) تباشر عملها، كما هو ديدنهن، وكأن شيئا لم يكن فكثير منهن ينحدرن من مناطق حرب ونزاعات. فجلستُ أحتسي كوبا من شاي (الشيريا) وأعيُننا على قوات الدعم السريع المحشودة. وبين الحين والآخر تمر بنا إحدى مَركبات "مكافحة الشغب" ذوي الزي الأزرق المموّه، في طريقهم إلى قمع طليعة الموكب المليوني الذي تركتُه خلفي. أطلق أحد هؤلاء بضع رصاصات في الهواء كاد مجلسُنا أن ينفضّ على إثرها وأظن أن زبائن ست الشاي، شديدة السُمرة والكاريزما، كانوا خليطا من الثوار المعنيين بالطلقات، ورجال الأمن الذين لم يتحرك لهم ساكن.

ذكّرني دوي الرصاص بأني لم أصل صلاة العصر (التي لم يُسمح لي بالدخول لأدائها مع مصلين في مسجدٍ ملحق بأحدى الدوائر العسكرية لا يبعد كثيرا من مكان اعتراض الموكب) فأدركتها قبل مغيب الشمس في دكان جانبي قريب (بجوار فِناء لكنيسة). ثم ركبتُ بعدها عائدا إلى البيت في سيارة أجرة لرجل قد علاه الشيب كان جالسا معنا عند ست الشاي. قال لي وقد لمعت عيناه: سوف آخذك بطريق القيادة العامة. فرأيت لمّا مررنا ببوابات القيادة الشاهدة على الغدر -والتي لم أرجع إليها منذ أواخر رمضان- رسوماتِ الثوار لا تزال منقوشة على الأسفلت الذي روته دماء الشهداء. لكني أبصرت في نقوشهم حياة جديدة، وفرحة وليدة بالعيد الذي سُرق.