"لَن تمرّ".. كلاشيه غياب الاستراتيجيّة الوطنيّة وفقه الموقف

الثلاثاء 23 يوليو 2019 02:49 م بتوقيت القدس المحتلة

"صَفقة القَرن لَن تَمرّ"، الكلاشيه الأكثر تداولًا منذ مطلع القرن الواحِد والعِشرين. يذكّرني هذا بجارتنا الصّغيرة التي كانَت تقف أمام الغُروب، ترفع يديها إلى الأعلى وتقول للشّمس: "تغيبيش.. تغيبيش"، أو "تعالي تعالي" على رأي السّت، إذن؛ يُمكننا القول إنّ صفقة القرن ستمرّ بموافقتنا أو معارضتنا، لا يوجد خيار-سيناريو ثالث على الأغلب، وهذه ليست دعوة للاستسلام بمقدار ما هِي وضعٌ للأمور في نِصابها الصّحيح، وعدم تعظيم المُقاومة بالقول؛ لأنّ ذلك أضعف الإيمان.

الكثير من الباحثين والسّياسيين نظّروا لكيفيّة مواجهة صفقة القرن، لكن وفي ظلّ غياب استراتيجيّة وطنيّة جامعة، وضعف إمكانيّة خلق هذه الاستراتيجيّة في الوقت الحاضر، وانعدام فقه الموقف ومتطلّبات المواجهة، تظلّ الأمور حبرًا على ورق. الانقسام الفلسطيني تجاوز انقسام الأرض والمدينة والفكرة والسّياسة إلى انفصال كامِل في الإيدولوجيا والمشاعر الداخليّة والمصالح، ومصالح الأطراف التي تلعب على الحبلين بالمناسبة، ولو كانَت المصلحة الوطنيّة هي الأولويّة العاشِرة لنا لوجب العَودة إلى قرار واحد وقيادة واحدة مشتركة دون مباحثات ولا أطراف دوليّة أو عربيّة، بلا سابق إنذار، كنّا تذكّرنا "أنا وأخوي ع إبن عمّي"، لكن، وفي العائِلة الواحدة حرفيًا، وكنتائج واضحة للانقسام الأكبر: "أنا والغريب على أخوي"، ثمّ نهتف: "صفقة القَرن لن تَمر" بينما يواصل الماء-الدّم الجريان تحتنا، أو فوقنا.

دعونا نتّفق أنّنا فشلنا في التأثير على الرأي العام العربي والعالمي، وقصّرنا في نقل الرّواية الفلسطينيّة بشكل واضح وفعّال ومحدّد الأهداف، بعثاتنا الدبلوماسيّة تكاليف بلا طائِل، ولعلّه كان الأجدر بها أن تبقى تابعة للمنظمة مباشرة

"صفقة القَرن"، هذا المصطلح الفنتازي، الذي ربّما قاله ترامب في حفلة شرب صاخبة، المُصطلح الفوقي القادِم من نشوة القوّة والامتلاك والهيمنة، النابع من شعور لا يُمكن إنكاره بالألوهيّة المطلقة على هذا الكون، والتّصرف فيه، وإيجاد الحلول المُبتكرة للأرض "المتنازع عليها"، بعد إسقاط مصطلح الاحتلال، وقرارات "الشرعيّة" الدوليّة، والتاريخ الحضاري والإنساني، صفقة القرن: "الضّم، الحكم الذاتي، الإدارة المدنيّة، الحل الإقليمي، التنميّة الاقتصاديّة، عدم ترسيم الحدود، بقاء التّوسع خيارًا، التّوطين، العاصمة البديلة، المدن الجديدة" أصبحت جاهزة على الأرض، والمطلوب من السّلطة القائِمة في الضّفة وغزة على حدٍ سواء، الموافقة أو ستكون عرضة للاستبدال-الحرب.

نحن الفلسطينيين عاطفيّون جدًا، ما زلنا غير قادرين على استيعاب التّصريحات العربيّة، كم قلت إنّ الوقت عامل لا يُمكن تجاهله. إسرائيل والولايات المتّحدة استطاعتا خلق رأي عام عربي موافق بل ومؤيّد للتطبيع، من خلال خلق قيادات سياسيّة موالية، وزراء، نوّاب.. إلخ، لهذا فإنّ الموقف العربي لا يعوّل عليه، وكان علينا أن لا نعوّل عليه أصلًا بعد كامب ديفيد، وزيارة السادات التاريخيّة للكنيست، ما الغريب في تصريحات برميل البحرين؟، أو الشّمري؟ تصريحات متوقعة، وبالمناسبة فإنّ هذه الحالة لا تعني تقديس العكس، لا فائدة من افتتاح شارع باسم مرزوق الغانم، ولا حتّى شكره على موقفه، وليست الأمور تقاس بالمشفى الذي بنته فلانة، ولا بالجنيهات التي وزّعت على فقراء المدينة المنوّرة، ولا حتّى باستذكارِ ماضٍ كنّا فيه عود الكبريت الذي يستطيع إشعال هذه الدّول بنفطها و"جلّابياتها"، نحنُ عاطفيون، نتشدّق بما نشاء من التاريخ، ننسى تعلّم الدّروس، نكرر الأخطاء عينها، نشكر ونشجب، نناضل عبر صفحاتنا في فيسبوك، هذا أكبر ما نفعله في الحقيقة.

دعونا نتّفق أنّنا فشلنا في التأثير على الرأي العام العربي والعالمي، وقصّرنا في نقل الرّواية الفلسطينيّة بشكل واضح وفعّال ومحدّد الأهداف، بعثاتنا الدبلوماسيّة تكاليف بلا طائِل، ولعلّه كان الأجدر بها أن تبقى تابعة للمنظمة مباشرة، سياستنا الداخليّة معدومة، المزيد من الانقسامات والحروب بين متنفّذي الحزب الواحد، فشلٌ ذريع في تلبية حاجة المواطن الماليّة، المزيد من المديونيّة، تراجع حقيقي للثقافة الوطنيّة، بطالة مدقعة، إذن كيف سنواجه صفقة القرن؟ كيف نواجه حالة اليأس التي تأكل الشّارع الفلسطيني حتّى رأسه، هل يُتابع أحدٌ منكم تعليقاتنا على صفحة المنسّق؟، هذا مؤشّر جيّد لقياس الحالة، أفضل بكثير من مؤشّر الوزيرة المعفّرة بتراب الوطن.

من المَنطقي أن تكون الفقرة هذه تحت عنوان: ما المطلوب فلسطينيًا الآن في ظلّ هذا الموقف؟، حقيقةً لست أعرف ما هو المطلوب عمليًا، الأمر غاية في التّعقيد، الخيارات تبدو محدودة جدًا، لكن وفي ضوء انعدام فُرص إنهاء الانقسام، تبدو أكثر الحلول منطقيّة أن تتحمل إسرائيل مسؤولياتها تجاهنا نحن: المواطنون أو السّكان، لم يعد هُناك فرق حقيقي بين الكلمتين رغمَ اختلافهما الشاسع نظريًا، أن تتحمّل مسؤوليّة تلبية الحقوق المدنيّة لنا، لنا (الشّعب، المواطنون، السّكان)، أو أن نلوّح بهذا حقيقة من خلال سلسلة من الإجراءات، وبالمناسَبة فإنّ د. صائب عريقات لوّح أمس بإلغاء الاتّفاقيات الموقّعة عقب اجتماعات تنفيذيّة المنظّمة. إسرائيل لا ترغب بهذا؟ ربّما، ستخلق قيادات وروابط قرى جديدة وبلديات؟ ربّما، هناك أحزاب -أشخاص- تجمّعات مُستعدّة للإمساك بزمام الأمور؟ ربّما، دمار بقايا المؤسسات والاقتصاد والبنوك، جوع وتشرّد عشرات الآلاف بلا وظائِف، هذا مؤكّد، لكنّ أعتقد أنّ هذه الطريقة التي يمكن أن تؤدي إلى تأخير تطبيق الصّفقة، بعثرة الأمور قليلًا، إعادة ترتيب الأوراق والأولويات، زيادة نسبة الخوف لدى المستوطنين والقيادة الإسرائيليّة، وقف ما يجري في محيط صور باهِر، الرّد على تصريح "أردان" عن شرعيّة الهدم، هل يعوّل علينا أن نصمِد؟ لا أعلم، هل يعوّل علينا أن لا نتأقلم مع أيّ حل قادم؟ لا أعلم، هل باستطاعتنا كأجيال حاليّة الانخراط في انتفاضة شعبيّة من نقطة "الماينس 19"؟، أم ننتظرُ "أمرًا كان مفعولًا"، أو"نستبدل قومًا غيركم"؟، لا إجابات مبدئيّة ولا قطعيّة.. كُلّ شيء رهن التّجربة.