على مفترق طرق

الأربعاء 24 يوليو 2019 08:17 م بتوقيت القدس المحتلة

على مفترق طرق

نحن على مفترق طرق، إما أن نلتقي أو نفترق، كان هذا ملخص ما حمله خطاب أبي عبيدة، الناطق العسكري باسم كتائب القسام، التي على ما يبدو أنها رفعت سقف التصعيد حول ملف الجنود الأربعة، لتهدد بجعل مصيرهم كمصير رون آراد الذي طويَ ملفه منذ لحظة فقدانه عام 1986 وحتى اليوم.

لقرار طي ملف الجنود الأربعة وإن تحقق عدة أبعاد، أولها رمي الكرة في ملعب الحكومة الصهيونية كي تراجع استراتيجيتها في هذا الملف، لا سيّما عامل الوقت الذي بات على ما يبدو ليس لصالحها بتاتا..

ثانياً، أن طي ملف يعني فتح ملف آخر، ويُقصَد به أسر جنود آخرين وهذا الباب الذي لم يغلقه القسام بطبيعة الحال..

ثالثا، الضغط على عوائل الأسرى الأربعة والبنية المجتمعية الإسرائيلية، نحو مزيد من ممارسة الضغط على حكومتهم عبر رفع مستوى الحدث الميداني، وعدم الرضوخ لروايتها التي تقول فيها "إنهم أموات وسنعيد رفاتهم إليكم".

من الجدير بالذكر، أن عامل الوقت هنا لا يخدم كلا الجانبين (حماس والكيان الصهيوني)، في الوقت الذي تعتبر فيه محصلة الخمس سنوات الماضية صفرا، باستثناء صراع الردود الإعلامية التي لم تثبت نجاعتها على صعيد التقدم الملموس، ولكنها ظلت تراوح دائرة الضغط النفسي على أهالي الأسرى الصهاينة فقط، وهنا من الضروري أن يفكر القسام باستراتيجية جديدة في الحرب الإعلامية خارج نطاق الرد بالرد، فما المانع من محاولة إذابة الجليد المتراكم على هذا الملف بطربقة ذكية ومختلفة، ثم ما الذي يدفع مصر الوسيط المفترض في هذا الملف للصمت وعدم تقديم مبادرات؟

إن الوجود المصري وعلى ضرورته في ملف الأسرى لدى القسام، هو دور مشلول لا يقوى على النهوض بالملف، وإن كانت مصر تعتقد أن دورها منوط فقط على الوساطة والتنقل بين هنا وهناك فقط، فلا بد أن حدود فهمها لمعنى الوساطة منقوص، فأن تكون وسيطاً بين طرفين يعني أن تقدم المبادرات والمقترحات لتجد تقدماً وتكسر الجمود، ولكن صمت الجانب المصري يدل على أمرين لا ثالث لهما، إما أنها وسيط غير نزيه يمارس في الخفاء مهمة قد ترمي للكشف عن مكان الأسرى لصالح الكيان الصهيوني، أو أنها مستفيدة من بقاء هذا الملف بجموده واحتكاره لتظل ترتدي عباءة الدولة الأم في الشرق الأوسط، وهذا لا يليق بدولة كانت عرّابة صفقة شاليط واليوم لا تستطيع أن تقدم مبادرة لكلا الطرفين كي تذيب جليد هذا الملف .

ثم ما الذي يمنع مصر وهي عضو في الأمم المتحدة، من طرق قضية قرابة الستة آلاف أسيراً في الأمم المتحدة باعتبارها قضية إنسانية، في الوقت الذي يتحدث فيه (يارون بلوم) المنسق الخاص لشؤون الأسرى والمفقودين لدى الكيان الصهيوني، عن نيته لطرح موضوع الأسرى الأربعة لدى القسام في مجلس الأمن باعتبار أنها قضية إنسانية ؟

وفي الوقت الذي تغيرت فيه معادلة التحالفات في العالم، فلا بد أن تستثمر حركة حماس هذه التحالفات وتتقرب منها بما يخدم مصلحتها، فوجود روسيا على سبيل المثال عرّابة إنهاء ملف المفقود (زكريا باوميل)في سوريا، قد يجعلها مؤهله أكثر من غيرها لحمل هذا الملف وتقديم المقترحات الجديدة فيه، في الوقت الذي تُعتبَر فيه حليفاً قوياً للكيان الصهيوني، وهذا لا يعني بالمطلق سحب الملف من مصر، بقدر ما هو أن حركة حماس مفتوحة على الجميع وتستقبل أي مبادرة قد تقدمها أية دولة لكسر الجليد المتراكم فوق هذا الملف .

على ما يبدو أن الكيان الصهيوني وحكومته لم تأخذ العبرة من صفقة شاليط، فهي ما زالت تلوّح بالحرب على غزة من أجل استعادتهم، وهذا مستبعد ويقع في دائرة التضليل والكذب من أجل امتصاص حراك أهالي الأسرى الأربعة ومناصريهم في الشارع الإسرائيلي، في وقت نرى فيه كل اتجاهات العالم لا تخدم هذا الخيار بالمطلق، فالعيون متجهة صوب إيران وأمريكا وحرب الملاحة البحرية من جهة، وبين أمريكا والصين والحرب الاقتصادية القائمة والمتصاعدة، مما يجعل خيار الحرب على غزة أمراً مستبعداً في الوقت الراهن على الأقل .

إن الركود في ملف الأسرى الأربعة لدي القسام ومضي خمس سنوات بمحصلة صفرية، يجعلنا نتساءل: هل سنحتاج أربعين عاماً أخرى كما استغرق ملف (زكريا باوميل)؟ إن عامل الوقت لا يخدم الأسرى الفلسطينيين وآمال عوائلهم التي بات الإحباط يحتل وجوههم، لا سيّما بعد كل خطاب لأبي عبيدة، من يعتبرونه شعاع الأمل كلّما طلّ على الشاشات، معادلة الأهالي لا تفهم بالسياسة، وكل ما تفهمه هو هل من جديد تحمله لنا يا أبا عبيدة يبشر بعودة أبنائنا؟ وما بين رؤية أهالي الأسرى الفلسطينيين والحرب الإعلامية في ملف الأسرى الأربعة بين القسام والكيان الصهيوني، جليد متراكم منذ خمس سنوات بحاجة لعرّاب جديد قادر على إذابته .