لماذا قد ترغب هذه الجهات في التخلص من حميدتي؟

الأربعاء 31 يوليو 2019 12:13 م بتوقيت القدس المحتلة

منذ اندلاع ثورة سبتمبر 2018 أواخر العام الماضي وكل العيون تراقب مركز القوة الصاعد بالرجل نحو ساحة الحياة السياسية العامة من أقصى الهامش في الغرب السوداني إلى قلب عاصمة البلاد. كانت الثورة بعد اندلاع شرارتها الأولى في الدمازين وعطبرة والقضارف وانتقالها بصورة منظمة مبرمجة يعلن عنها ما يعرف بتجمع المهنيين السودانيين كانت تراقب بحذر موقع الرجل قرباً وبعداً من الثورة الوليدة. وكان الشارع الثائر عبر مواكبه الأسبوعية يستميت بقوة وجسارة لامتصاص موجات العنف المتصاعدة شيئاً فشيئاً، كان الشباب عراة الصدور إلا من الهتاف وكمامات الأنف الرخيصة واللافتات هي ما يواجه آلات القمع الرسمي لدولة الانقاذ البائدة، انضمت لحركة القمع منذ البداية كل التشكيلات العسكرية الرسمية وشبه الرسمية -عدا الجيش- فهيئة عمليات جهاز الأمن التي كان لها القدح المعلى من القمع الممنهج الموجه تلتها الشرطة المدجنة بعناصر النظام الموالية من الشرطة الشعبية بالإضافة لكتائب النظام المتعددة الطلابية والسرية وما يعرف إعلاميا بكتائب الظل.

كل هذه العناصر القمعية كانت الثورة تتصدى لها وتحسب خسائرها كل نهاية أسبوع وتنهض للذي يليه، لكنها كانت تنظر بحذر ناحية رجل الصحراء المتمرس (محمد حمدان حميدتي) والمشهور بـ(دقلو) كانت تنظر صوبه وصوب قواته المعروفة بالشراسة والتي تسبقها سمعة عريضة من القتل والتنكيل بالحركات المسلحة بإقليم دارفور وبعض الأعمال ضد الإنسانية التي ينسبها لها خصومها. والحق يقال أن قوات الرجل لم تشارك طيلة خمسة أشهر في قمع الاحتجاجات وإن تستر بعض منتسبي هيئة العمليات بعربات قوات الرجل (ق د س) إلا أن الرجل ومنذ قدم الخرطوم لحماية رأس النظام البشير كان يقف على الحياد بخطابات تفسر في كل الاتجاهات، لكن ما أن جاءت 11 أبريل 2019 وإعلان الرجل انحيازه للشارع حتى تحولت موازين القوى لصالح الثورة، فهذا خصم لا يستهان به البتة، لكنه كان ولا يزال الحليف الخؤون.

الرجل يعلم تماماً أنه لو قام بأدنى محاولة متهورة لتفكيك دولة العهد القديم فإنه سيجابه حتماً بصمود الفلول خاصة المؤمنين السذج منهم الذين يؤمنون بالفعل أن الإنقاذ كانت دولة إسلامية خالصة

قبلت الثورة على مضض بدور الرجل في التحول الذي تم ولكن كانت الأصوات ولا تزال تنادي بإبعاد الرجل وحل قواته ودمجها بالجيش القومي، وبدأت أسهم الرجل في الشارع العام ترتفع نسبياً لدرجة أن البعض يقومون بوضع صورته على خلفية زجاج سياراتهم وعُلقت صوره في بعض المحال. كان واضحاً بعد حل المجلس العسكري الأول بقيادة ابن عوف أن الرجل نمى عنده نظر سياسي لحد ما، فالرجل لم يقبل أن يكون كومبارس في مجلس يمثل فلول العهد الزائل، ليتسنم الرجل بعدها منصب نائب رئيس المجلس العسكري الجديد، ويبدأ جولة من المخاطبات والجولات الميدانية على الشارع والأقاليم وبعض دول المحاور الخاريجة، الشيء الذي يشي بأن تصدير الرجل لا يخلو من رغبة في منصب أو أقله نفوذ غير محدود في شكل الدولة القادم عقب الثورة.

لكن نفوذ الرجل القادم من الهامش إلى المركز ولابد أن يصطدم بحاجز صد عمره بعمر استقلال السودان الحديث، إذ سيطرة النخبة المدنية والعسكرية الشمالية على مقاليد الأمر بالبلاد، لكن الأخطر هو أن الرجل جاء في أعقاب عهد الإسلاميين وهو عهد كارثي بكل معنى الكلمة، فالرجل ومنذ فترة يتعرض وقواته لحملات استهداف ممنهج من كل الجهات، وتبدو بصمة النظام القديم واتباعه واضحة لحد ما ضمن تلك الجهات. فالرجل نكص على من صنعوه في المؤتمر الوطني الحاكم سابقا، وهو حزب ميكافللي النزعة ودموي ومن وراءه تقف حركة إسلامية قوية ذكية قادت البلاد من الخلف زهاء الثلاثة عقود، والرجل حميدتي لا يتمتع كما يبدو بالذكاء الكافي ليضاهي به حركة نافذة بهذا القدر في كل مناحي الحياة العامة، والحكم ليس فقط قوات مثقلة بالسلاح الحكم عقل وفكر سلطوي جبار أهم وأبسط بدهياته هي الكتمان وهذه الصفة لا يتحلى بها الرجل الذي يعلن على رؤوس الأشهاد عدد قوات السودان باليمن ما أثار موجة عارمة من النقد له وللجيش من خلفه.

ولعل مستشاريه من بعض دول المحاور يعرفون جيدا هذه النقطة ويحسبون لها حسابها. ويسري الهمس في مجالس المدينة أن الرجل إنما يساق سوقاً للمحرقة وأنها مسألة وقت حتى يتم التخلص منه وإزاحته فهو أداة فعالة في وقت مناسب ولكن ليس رجل المرحلة وليس هناك جهة ما قد تتحمل عبء رجل مثله مثل البشير تطارده دعاوى حقوق الإنسان في الداخل والخارج. وما يعزز برأينا أن الرجل قد يتعرض لمحاولات تصفية -وهذا ما لا نرجوه إطلاقا في بلد يعج بالسلاح كالسودان- هو التالي:

أولا: طموح الرجل في تزايد مضطرد وخطاباته العامة تنم عن نظرة الرجل نحو مقدمة القيادة، فالرجل يستخدم منطق الرئيس في كل مخاطباته ولا يتكلم كمسؤول رفيع في مؤسسة قومية، بل ويعدد إنجازات عهده الذي بدأ قبل توليه حتى السلطة رسميا. وهو الامر الذي قد يقلق الجيش كمؤسسة أقدم وأرسخ منه في الحياة السياسية السودانية منذ الاستقلال.

ثانيا: الرجل يعلم تماماً أنه لو قام بأدنى محاولة متهورة لتفكيك دولة العهد القديم فإنه سيجابه حتماً بصمود الفلول خاصة المؤمنين السذج منهم الذين يؤمنون بالفعل أن الإنقاذ كانت دولة إسلامية خالصة. لذا بدأ الرجل في تفكيك دولتهم بحذر مقاتل خبير في التعامل مع الألغام، ويبدو أنه قد انفجر فيه لغم فض اعتصام القيادة العامة 3 يونيو فالشارع يلومه وقواته أكثر من غيرها نسبة لانتشار المقاطع المظهرة لقوات الرجل أكثر من عداها من القوات المشاركة بجريمة الفض، ما جعل أسهم الرجل تهوي بسرعة في الشارع العام. فبدأت تتوالى قصص الانقلابات اليومية التي بات رجل الشارع البسيط يتندر بها (الليلة في انقلاب ولا حيسخنوا لينا انقلاب أمبارح). والمحاولة الأخيرة المزعومة بقيادة رئيس هيئة الأركان توضح أن الرجل لن يدخر جهدا في تفكيك وضرب مراكز النظام القديم، فهي محاولة ركيكة لم تنطلي على الشارع المتابع بإهتمام مجريات الأحداث. لكن ما تبع المحاولة كان هو الأهم من القبض على عدد ممن يتهمون بانتماءهم للتنظيم الإسلامي داخل الجيش والخدمة المدنية وبعض الإعلاميين والمفكرين المحسوبين على العهد البائد. كل هذه الحكايات عن الانقلاب تشي برغبة قوية لدى الرجل على تأمين نفسه من القادم.

ثالثا: هنالك بعض المناطق الحساسة داخل مؤسسة الجيش يحاول الرجل بحذر التكافؤ معها، فالرجل بحسه المقاتل يعلم أن قواته لا تمتلك أسلحة نوعية استراتيجية كالتي يملكها الجيش، وقد باءت بحسب التسريبات محاولات قديمة لأن يُكون وحدة خاصة بالطيارين الحربيين بمليشياته، وليس للرجل حتى الآن سلاح مدرعات ودبابات يحصن قواته رشيقة الحركة كثيفة النيران من هذا السلاح الخطر والنوعي تماماً. فاقتراب الرجل من هذا الملف هو أحد العوامل التي قد تؤدي لتسريع ازاحة الرجل من المشهد العام حتى تبقى قواته تحت سيطرة الجيش.

رابعا: من خلال تصريحات الرجل في الخطابات العامة يبدو جلياً أنه يقدر جدا الثقل الاقتصادي للعهد البائد، ويلمح تارة ويصرح أخرى بمدى قوة هذا الثقل وأنهم بصدد محاسبة كل أحد بالقانون ونزع الحق منه لصالح الشعب كما يقول. لكن حتى الآن لم يتخذ الرجل القوي ولا المجلس العسكري أي محاولة جادة في هذا الاتجاه والذي تم من تأميم بعض المصادر لبعض أفرع النظام السابق شيء متواضع جدا قد يملكه رأسمالي متوسط بسوق بورصة دبي للذهب. فهذا الملف يبدو أن العهد القديم يعض عليه بقوة ويحرسه بروحه ويفديه بأكثر مما قد يبذله في حماية أي مكتسبات أخرى أو حتى شخصياته المعتبرة. لذا يفهم حميدتي جيدا أن اقترابه من هذا الملف قد يكون سببا لنهايته إن لم يكن جسديا بالاغتيال فلا أقل من معنوياً بجر إسمه بتسريب صغير لأي صحفي مغمور، فملف بحجم 3 كيلو بايت من يدري ماذا يفعل الآن.

مجرد الفكرة قد تبدو مرعبة ولا يحبذ التحدث عنها علانية، لكنها جزء الآن من همس المدينة. وهو همس يصاحبه رعشة خوف خفيفة عند البعض من الفكرة. والاغتيال السياسي بعامة ليس مشهورا وشائعاً عندنا بالسودان لكن العالم تغير والسودان نفسه دخلت عليه عادات وطرائق جديدة في التفكير والفعل السياسيين، فمن كان يتوقع أن يتم فض اعتصام سلمي لمجموعة من الناس فجرا وفي يوم عظيم من أيام رمضان الـ29، من كان يتوقع أن يصل التناحر السياسي أوجه لدرجة أن تطلق قوات ما النار على الطلاب اليفع في الأبيض شمال كردفان وبنفس التوقيت في اليوم 29 وكأن المخططين يلمحون ليوم فض الاعتصام أو يودون إرسال رسالة أنهم هناك في الظلام يراقبون المفاوضات، ويراقبون المجلس العسكري، ويراقبون حميدتي.