وقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع "إسرائيل".. التاريخ والواقع

الأربعاء 31 يوليو 2019 12:22 م بتوقيت القدس المحتلة

إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس، قبل أيام قليلة، وقف العمل بالاتفاقات الموقّعة مع "إسرائيل"؛ لا معنى له، إلا أنّ القيادة الفلسطينية تدرك تماما أنّ الخيار الذي انحشر فيه الشعب الفلسطيني بسبب المسار الذي أفضى إلى هذه الاتفاقيات، وعلى أساسها قامت السلطة، هو خيار خاطئ وأنّه لا سبيل لتصحيحه إلا بالخروج منه.

صحيح أنّه سيجري في المقابل تشكيك بجدّية السلطة في الخروج فعلا من هذه الاتفاقيات، وستُستدعى مرات كثيرة أعلن فيها مثل القرار أو هدّد به، كما كان في آخر تشرين أول/ أكتوبر العام الماضي، بيد أنّ هذا التكرار لهذه الإعلانات والتهديدات، تأكيد لما سبق قوله؛ من أنّ قيادة السلطة تعرف المسار الصحيح، وأنّها في حقيقة أمرها ليست في حاجة لأن نذكّرها صباح مساء بكارثية المسار الذي سلكته وخنقتنا في مآلاته.

إنّ المشكلة ليست في الأفكار، ولا في استخلاص النتائج، ولا في الإحساس بعبثية المراوحة داخل هذا المسار المغلق والكئيب والمظلم، وإنما في امتلاك الإرادة الكافية للخروج منه، بعدما صار (أي هذا المسار)، السياق الذي ينتظم الفلسطينيين، ينتظمهم ليمزّقهم، ويصفّي قضيتهم، ويصادر حقوقهم، وصارت نتائجه، ولا سيما كيانية السلطة، هدفا في ذاته، ليس فقط للعدوّ الذي يريد منها أن تكون رافعة لتبييض صفحته، وتجميل عدوانه، وتوفير موارده الاقتصادية واللوجستية على النحو الذي يجعله أرخص احتلال في العالم، على حدّ تعبير الرئيس عبّاس، وإنما وبالإضافة إلى ذلك؛ للنخبة القائمة على هذه الكيانية، بعدما حُوّلت القضية الفلسطينية من كفاح شعب إلى إدارة نخبوية، في نتيجة حتمية لهذا المسار واتفاقياته والتزام السلطة بها؛ إذ إنّ من أهمّ أهداف الاحتلال من دخوله هذا المسار، هو احتواء الشعب الفلسطيني وتحييده، وصرفه عن واجبه التاريخي في مواجهة عدوّه المحتلّ.

سؤال واقعي عن إمكانية وقف العمل بالاتفاقات أصلا مهما كانت تلك الإرادة. هذا السؤال طبيعي وصحيح ولا بدّ منه، فارتباط المجتمع الفلسطيني بالسلطة وبالاتفاقيات التي تنظّم عملها؛ عميق وبالغ التعقيد والتشعب

يحيل الحديث عن افتقاد الإرادة؛ إلى سؤال واقعي عن إمكانية وقف العمل بالاتفاقات أصلا مهما كانت تلك الإرادة. هذا السؤال طبيعي وصحيح ولا بدّ منه، فارتباط المجتمع الفلسطيني بالسلطة وبالاتفاقيات التي تنظّم عملها؛ عميق وبالغ التعقيد والتشعب، وهو من هذه الجهة يتطلب تخطيطا، ومن جهة أخرى فإنّ وقف الاتفاقيات، ولا سيما إن قُصد به الشمول والإطلاق، يستدعي مواجهة مع الاحتلال، وكلّ ذلك ليس سهلا، ويحتاج إلى تخطيط وعوامل صمود يستند إليها الفلسطينيون في القيام بذلك التحدّي ودفع أثمانه.

إنّ أوّل ما يواجهنا في الإجابة على هذا السؤال، أنّ قيادة السلطة لم تحدّد بالضبط الاتفاقيات التي ستوقف العمل بها؛ هل هو وقف شامل، أم لبعض الاتفاقيات والبرتوكولات؟ ثمّ لم تحدد طبيعة هذا الوقف، هل هو وقف دائم؟ أي خروج نهائي من المسار، أم تجميد؟ وهل سيشمل حلّ السلطة نفسها باعتبارها أهمّ نتائج تلك الاتفاقيات؟! وبما أنّ نتائج وقف العمل بها، سواء كان تجميدا أم خروجا نهائيّا، سينعكس بعمق على الفلسطينيين كلّهم، فهل استعدت السلطة للبدائل وسبل الإدارة بعد الدخول في تلك المرحلة الجديدة؟

تشكيل لجنة لتنفيذ قرار وقف العمل بالاتفاقيات لا ينبغي أن يثير السخرية؛ باعتبار أنّ اللجان عادة تُشكّل لقتل القرارات وإفراغها من مضمونها. فتنفيذ قرار من هذا النوع، يحتاج تخطيطا لتنفيذه ثم لإدارة المرحلة التي تتلوه، لكن المشكلة في الإعلان عن لجنة لتنفيذه مركّبة من وجهين؛ الأول أنّ مثل هذه اللجنة شُكّلت من قبل أكثر من مرّة لتنفيذ القرار نفسه، وإعادة الحديث عنها من جديد يعني أنّها لم تخطّط لأي شيء من قبل، وهو ما يبعث الشكّ من جديد حول جدّة القرار، إذ يفترض أن السلطة امتلكت تصوّرا جيدا، وبدأت على أساسه في تهيئة الشعب للدخول في المرحلة الجديدة.

كان يُفترض تغيير منظومة السياسات التي أرادت تحييد الجماهير عن دورها في مواجهة الاحتلال، وهي منظومة متكاملة سياسيّا واقتصاديّا وثقافيّا وأمنيّا

الوجه الثاني للمشكلة يتمثل في كون لجنة من طرف واحد، هو الطرف الذي يقود السلطة وتعني له كلّ شيء، لا تكفي للتخطيط لتنفيذ قرار من هذا النوع، ولإدارة ما يتلوه. فالمسألة باتت فلسطينية شاملة، تمسّ كلّ فلسطيني، وسوف يدفع ثمنها كلّ فلسطيني. هذا الجانب الأخلاقي في الأمر، وأمّا سياسيّا وعمليّا، فقرار يفضي إلى مواجهة لا بدّ وأن يستند إلى وحدة وطنية حقيقية، لا سيما في وقت تبدو فيه المؤامرة على الفلسطينيين مكشوفة بلا أيّ غطاء.

في الطريق لإنفاذ قرار من هذا النوع، ولتهيئة الشعب والجماهير لذلك، كان يُفترض تغيير منظومة السياسات التي أرادت تحييد الجماهير عن دورها في مواجهة الاحتلال، وهي منظومة متكاملة سياسيّا واقتصاديّا وثقافيّا وأمنيّا، إلا أنّه ومنذ بدأ التلويح بقرارات من هذا النوع منذ بضع سنوات، لم يجر شيء من ذلك التحوّل، كما أنّ العلاقات الوطنية ظلّت في تراجع بدلا من استعادة الوحدة الوطنية. وعلى المستوى النضالي الميداني، هيأت الجماهير فرصة للدخول في حالة كفاحيّة تتوسع بالتدريج، بيد أنّ سلسلة الهبّات التي أطلقتها الجماهير كُبحت بدلا من استثمارها وتطوريها وتعظيمها.

هذه المراجعة لتاريخية هذه القرارات، وشكل الإعلان عنها، لا تستنتج الكثير من الجدّية في الوقوف خلفها، لكن التفكير فيها والإعلان عنها له دلالة واضحة، وهي إطباق الجميع على كارثية المسار واختناقنا فيه حتّى اللحظة. وبما أنّ حركة فتح هي التي تتمتع بحرية التنظيم والحركة في الضفّة، ويفترض أنّها المعني الأول بمشروع السلطة، فالميدان متاح أمامها لتنظيم حركة احتجاجية بالتدريج تهيئة للجماهير، والسعي لتشكيل قاعدة للوحدة الوطنية داخل ميدان النضال.